القرطبي

86

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الله ، كما حكى الله تعالى عنهم ، ورد عليهم في هذه السورة بقوله : " ألكم الذكر وله الأنثى " ( 1 ) فأنكر الله كل هذا من قولهم . ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح ، فلما تأوله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم ولبس عليهم الشيطان بذلك ، نسخ الله ما ألقى الشيطان ، وأحكم الله آياته ، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما سبيلا للتلبيس ، كما نسخ كثير من القرآن ، ورفعت تلاوته . قال القشيري : وهذا غير سديد ، لقوله : " فينسخ الله ما يلقى الشيطان " أي يبطله ، وشفاعة الملائكة غير باطلة . ( والله عليم حكيم ) " عليم " بما أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم . " حكيم " في خلقه . قوله تعالى : ( ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة ) أي ضلالة . ( للذين في قلوبهم مرض ) أي شرك ونفاق . ( والقاسية قلوبهم ) فلا تلين لأمر الله تعالى . قال الثعلبي : وفي الآية دليل على أن الأنبياء يجوز عليهم السهو والنسيان والغلط بوسواس الشيطان أو عند شغل القلب حتى يغلط ، ثم ينبه ويرجع إلى الصحيح ، وهو معنى قوله : " فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته " . ولكن إنما يكون الغلط على حسب ما يغلط أحدنا ، فأما ما يضاف إليه من قولهم : تلك الغرانيق العلا ، فكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ، لان فيه تعظيم الأصنام ، ولا يجوز ذلك على الأنبياء ، كما لا يجوز أن يقرأ بعض القرآن ثم ينشد شعرا ويقول : غلطت وظننته قرآنا . ( وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ) أي الكافرين لفي خلاف وعصيان ومشاقة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم . وقد تقدم في " البقرة ( 2 ) " والحمد لله وحده . قوله تعالى : وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ( 54 )

--> ( 1 ) راجع ج 17 ص 102 . ( 2 ) راجع ج 2 ص 143 .