القرطبي
81
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
سها فقال : ( إن شفاعتهم ترتجى ) فلقيه المشركون والذين في قلوبهم مرض فسلموا عليه وفرحوا ، فقال : ( إن ذلك من الشيطان ) فأنزل الله تعالى : " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي " الآية . قال النحاس : وهذا حديث منقطع وفيه هذا الامر العظيم . وكذا حديث قتادة وزاد فيه ( وإنهن لهن ( 1 ) الغرانيق العلا ) . وأفظع ( 2 ) من هذا ما ذكره الواقدي عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله قال : سجد المشركون كلهم إلا الوليد بن المغيرة فإنه أخذ ترابا من الأرض فرفعه إلى جبهته وسجد عليه ، وكان شيخا كبيرا . ويقال : إنه أبو أحيحة سعيد بن العاص ، حتى نزل جبريل عليه السلام فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له : ( ما جئتك به ) ! وأنزل الله : " لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا " ( 3 ) [ الاسراء : 74 ] . قال النحاس : وهذا حديث منكر منقطع ولا سيما من حديث الواقدي . وفى البخاري أن الذي أخذ قبضة من تراب ورفعها إلى جبهته هو أمية بن خلف . وسيأتي تمام كلام النحاس على الحديث - إن شاء الله - آخر الباب . قال ابن عطية : وهذا الحديث الذي فيه هي الغرانيق العلا وقع في كتب التفسير ونحوها ، ولم يدخله البخاري ولا مسلم ، ولا ذكره في علمي مصنف مشهور ، بل يقتضى مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقى ، ولا يعينون هذا السبب ولا غيره . ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة ، بها وقعت الفتنة . ثم اختلف الناس في صورة هذا الالقاء ، فالذي في التفاسير وهو مشهور القول أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بتلك الألفاظ على لسانه . وحدثني أبي رضي الله عنه أنه لقي بالشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين من قال : هذا لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم في التبليغ ، وإنما الامر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أفرأيتم اللات والعزى . ومناة الثالثة الأخرى ( 4 ) " [ النجم : 19 - 20 ] وقرب صوته من صوت النبي صلى الله عليه وسلم حتى التبس الامر على المشركين ، وقالوا : محمد قرأها . وقد روى نحو هذا التأويل عن الامام أبى المعالي . وقيل : الذي ألقى شيطان الانس ، كقوله عز وجل : " والغوا فيه ( 5 ) " [ فصلت : 26 ] . قتادة : هو ما تلاه ناعسا .
--> ( 1 ) في ك : لمن . ( 2 ) كذا في ب . ( 3 ) راجع ج 10 ص 300 . ( 4 ) راجع ج 17 ص 99 . ( 5 ) راجع ج 15 ص 355 فما بعد .