القرطبي

57

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فإذا صارت بدنا هديا فالمنافع فيها أيضا ركوبها عند الحاجة ، وشرب لبنها بعد رى فصيلها . وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال : ( اركبها ) فقال : إنها بدنة . فقال : ( اركبها ) قال : إنها بدنة . قال : ( اركبها ويلك ) في الثانية أو الثالثة . وروى عن جابر بن عبد الله وسئل عن ركوب الهدى فقال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا ) . والأجل المسمى على هذا القول نحرها ، قاله عطاء بن أبي رباح . السادسة - ذهب بعض العلماء إلى وجوب ركوب البدنة لقوله عليه الصلاة والسلام : ( اركبها ) . وممن أخذ بظاهره أحمد وإسحاق وأهل الظاهر . وروى ابن نافع عن مالك : لا بأس بركوب البدنة ركوبا غير فادح . والمشهور أنه لا يركبها إلا إن اضطر إليها لحديث جابر فإنه مقيد والمقيد يقضى على المطلق . وبنحو ذلك قال الشافعي وأبو حنيفة . ثم إذا ركبها عنده الحاجة نزل ، قاله إسماعيل القاضي . وهو الذي يدل عليه مذهب مالك ، وهو خلاف ما ذكره ابن القاسم أنه لا يلزمه النزول ، وحجته إباحة النبي صلى الله عليه وسلم له الركوب فجاز له استصحابه . وقوله : ( إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا ) يدل على صحة ما قاله الإمام الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما ، وما حكاه إسماعيل عن مذهب مالك . وقد جاء صريحا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة وقد جهد ، فقال : ( اركبها ) . وقال أبو حنيفة والشافعي : إن نقصها الركوب المباح فعليه قيمة ذلك ويتصدق به . السابعة - قوله تعالى : ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) يريد أنها تنتهي إلى البيت ، وهو الطواف . فقوله : " محلها " مأخوذ من إحلال المحرم . والمعنى أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمى الجمار والسعي ينتهى إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق . فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه ، قاله مالك في الموطأ . وقال عطاء : ينتهى إلى مكة . وقال الشافعي : إلى الحرم . وهذا بناء على أن الشعائر هي البدن ، ولا وجه لتخصيص الشعائر مع عمومها وإلغاء خصوصية ذكر البيت . والله أعلم .