القرطبي

38

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثانية - لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت ، وقيل له : أذن في الناس بالحج ، قال : يا رب ! وما يبلغ صوتي ؟ قال : أذن وعلي الابلاغ ، فصعد إبراهيم خليل الله جبل أبي قبيس وصاح : يا أيها الناس ! إن الله قد أمركم بحج هذا البيت ليثيبكم به الجنة ويجيركم من عذاب النار ، فحجوا ، فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء : لبيك اللهم لبيك ! فمن أجاب يومئذ حج على قدر الإجابة ، إن أجاب مرة فمرة ، وإن أجاب مرتين فمرتين ، وجرت التلبية على ذلك ، قاله ابن عباس وابن جبير . وروى عن أبي الطفيل قال قال لي ابن عباس : ( أتدري ما كان أصل التلبية ؟ قلت لا ! قال : لما أمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج خفضت الجبال رؤوسها ورفعت له القرى ، فنادى في الناس بالحج فأجابه كل شئ : لبيك اللهم لبيك . وقيل : إن الخطاب لإبراهيم عليه السلام تم عند قوله : " السجود " ، ثم خاطب الله عز وجل محمدا عليه الصلاة والسلام فقال : " وأذن في الناس بالحج " أي أعلمهم أن عليهم الحج . وقول ثالث - إن الخطاب من قوله : " أن لا تشرك " مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم . وهذا قول أهل النظر ، لان القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فكل ما فيه من المخاطبة فهي له إلا أن يدل دليل قاطع على غير ذلك . وهاهنا دليل آخر يدل على أن المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو " أن لا تشرك بي " بالتاء ، وهذا مخاطبة لمشاهد ، وإبراهيم عليه السلام غائب ، فالمعنى على هذا : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت فجعلنا لك الدلائل على توحيد الله تعالى وعلى أن إبراهيم كان يعبد الله وحده . وقرأ جمهور الناس : " بالحج " بفتح الحاء . وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها . وقيل : إن نداء إبراهيم من جملة ما أمر به من شرائع الدين . والله أعلم . الثالثة - قوله تعالى : ( يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ) وعده إجابة الناس إلى حج البيت ما بين راجل وراكب ، وإنما قال " يأتوك " وإن كانوا يأتون الكعبة لان المنادى إبراهيم ، فمن أتى الكعبة حاجا فكأنما أتى إبراهيم ، لأنه أجاب نداءه ، وفيه تشريف إبراهيم . ابن عطية : " رجالا " جمع راجل مثل تاجر وتجار ، وصاحب وصحاب . وقيل : الرجال