القرطبي

321

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فليس ذلك إليه ، لأنه وكيل على جزء من أجزاء الدين للذي هو في مقعد النبوة . وروي أن هذه الآية نزلت في حفر الخندق حين جاءت قريش وقائدها أبو سفيان ، وغطفان وقائدها عيينة بن حصن ، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم الخندق على المدينة ، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة ، فكان المنافقون يتسللون لواذا من العمل ويعتذرون بأعذار كاذبة . ونحوه روى أشهب وابن عبد الحكم عن مالك ، وكذلك قال محمد بن إسحاق . وقال مقاتل : نزلت في عمر رضي الله عنه ، استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك في الرجعة فأذن له وقال : ( انطلق فوالله ما أنت بمنافق ) يريد بذلك أن يسمع المنافقين . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنما استأذن عمر رضي الله عنه في العمرة فقال عليه السلام لما أذن له : ( يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك ) . قلت : والصحيح الأول لتناوله جميع الأقوال . واختار ابن العربي ما ذكره في نزول الآية عن مالك وابن إسحاق ، وأن ذلك مخصوص في الحرب . قال : والذي يبين ذلك أمران : أحدهما - قوله في الآية الأخرى : " قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا " [ النور : 63 ] . وذلك أن المنافقين كانوا يتلوذون ويخرجون عن الجماعة ويتركون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر الله جميعهم بألا يخرج أحد منهم حتى يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبذلك يتبين إيمانه . الثاني - قوله : " لم يذهبوا حتى يستأذنوه " وأي إذن في الحدث ( 1 ) والامام يخطب ، وليس للامام خيار في منعه ولا إبقائه ، وقد قال : " فأذن لمن شئت منهم " ، فبين بذلك أنه مخصوص في الحرب . قلت : القول بالعموم أولى وأرفع وأحسن وأعلى . ( فأذن لمن شئت منهم ) فكان النبي صلى الله عليه وسلم بالخيار إن شاء أن يأذن وإن شاء منع . وقال قتادة : قوله : " فأذن لمن شئت منهم " منسوخة بقوله : " عفا الله عنك لم أذنت لهم " ( 2 ) [ التوبة : 43 ] . أي لخروجهم عن الجماعة إن علمت لهم عذرا . ( إن الله غفور رحيم ) .

--> ( 1 ) في ب وج‍ وك : المحدث . ( 2 ) راجع ج 8 ص 154 .