القرطبي

30

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

إذا دخل الجنة ؟ قلنا : نعم ! إذا لم يتب منها حرمها في الآخرة وإن دخل الجنة ، لاستعجاله ما حرم الله عليه في الدنيا . لا يقال : إنما يحرم ذلك في الوقت الذي يعذب في النار أو بطول مقامه في الموقف ، فأما إذا دخل الجنة فلا ، لان حرمان شئ من لذات الجنة لمن كان في الجنة نوع عقوبة ومؤاخذة ، والجنة ليست بدار عقوبة ، ولا مؤاخذة فيها بوجه . فإنا نقول : ما ذكرتموه محتمل ، لولا ما جاء ما يدفع هذا الاحتمال ويرده من ظاهر الحديث الذي ذكرناه . وما رواه الأئمة من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة ) . والأصل التمسك بالظاهر حتى يرد نص يدفعه ، بل قد ورد نص على صحة ما ذكرناه ، وهو ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا هشام عن قتادة عن داود السراج عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو ) . وهذا نص صريح وإسناده صحيح . فإن كان ( وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو ) من قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو الغاية في البيان ، وإن كان من كلام الراوي على ما ذكر فهو أعلم بالمقال وأقعد بالحال ، ومثله لا يقال بالرأي ، والله أعلم . وكذلك ( من شرب الخمر ولم يتب ) و ( من استعمل آنية الذهب والفضة ) وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه ، وليس ذلك بعقوبة ، كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة . وقد ذكرنا هذا كله في كتاب التذكرة مستوفي ، والحمد لله ، وذكرنا فيها أن شجر الجنة وثمارها يتفتق عن ثياب الجنة ، وقد ذكرناه في سورة الكهف ( 1 ) . قوله تعالى : وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد ( 24 ) قوله تعالى : ( وهدوا إلى الطيب من القول ) أي أرشدوا إلى ذلك . قال ابن عباس : يريد لا إله إلا الله والحمد لله . وقيل : القرآن ، ثم قيل : هذا في الدنيا ، هدوا إلى الشهادة ،

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 397 .