القرطبي
289
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثاني - أنه المطر ، قاله الجمهور . ومنه قول الشاعر : فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها وقال امرؤ القيس : فدمعهما ودق وسح وديمة * وسكب وتوكاف وتنهملان يقال : ودقت السحابة فهي وادقة . وودق المطر يدق ودقا ، أي قطر . وودقت إليه دنوت منه . وفي المثل : ودق العير ( 1 ) إلى الماء ، أي دنا منه . يضرب لمن خضع للشئ لحرصه عليه . والموضع مودق . وودقت [ به ] ودقا استأنست به . ويقال لذات الحافر إذا أرادت الفحل : ودقت تدق ودقا ، وأودقت واستودقت . وأتان ودوق وفرس ودوق ، ووديق أيضا ، وبها وداق . والوديقة : شدة الحر . وخلال جمع خلل ، مثل الجبل والجبال ، وهي فرجه ومخارج القطر منه . وقد تقدم في " البقرة " ( 2 ) أن كعبا قال : إن السحاب غربال المطر ، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض . وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو العالية : " من خلله " على التوحيد . وتقول : كنت في خلال القوم ، أي وسطهم . ( وينزل من السماء من جبال فيها من برد ) قيل : خلق الله في السماء جبالا من برد ، فهو ينزل منها بردا ، وفيه إضمار ، أي ينزل من جبال البرد بردا ، فالمفعول محذوف . ونحو هذا قول الفراء ، لان التقدير عنده : من جبال برد ، فالجبال عنده هي البرد . و " برد " في موضع خفض ، ويجب أن يكون على قوله المعنى : من جبال برد فيها ، بتنوين جبال . وقيل : إن الله تعالى خلق في السماء جبالا فيها برد ، فيكون التقدير : وينزل من السماء من جبال فيها برد . و " من " صلة . وقيل : المعنى وينزل من السماء قدر جبال ، أو مثل جبال من برد إلى الأرض ، ف " - من " الأولى للغاية لان ابتداء الانزال من السماء ، والثانية للتبعيض ، لان البرد بعض الجبال ، والثالثة لتبيين الجنس ، لان جنس تلك الجبال من البرد . وقال الأخفش : إن " من " في الجبال و " برد " زائدة في الموضعين ، والجبال والبرد في موضع نصب ، أي ينزل من السماء بردا يكون كالجبال . والله أعلم . ( فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء )
--> ( 1 ) في ب وج وك : البعير . ولعلها رواية في المثل أو تحريف الناسخ . ( 2 ) راجع ج 2 ص 201 . ( 19 - 12 )