القرطبي

281

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الهلاك ، والابصار تنظر من أي ناحية يعطون كتبهم ، وإلى أي ناحية يؤخذ بهم . وقيل : إن قلوب الشاكين تتحول عما كانت عليه من الشك ، وكذلك أبصارهم لرؤيتهم اليقين ، وذلك مثل قول تعالى : " فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد " ( 1 ) [ ق : 22 ] فما كان يراه في الدنيا غيا يراه رشدا ، إلا أن ذلك لا ينفعهم في الآخرة . وقيل : تقلب على جمر جهنم كقوله تعالى : " يوم تقلب وجوههم في النار " ( 2 ) [ الأحزاب : 66 ] ، " ونقلب أفئدتهم وأبصارهم " ( 3 ) [ الانعام : 110 ] . في قول من جعل المعنى تقلبها على لهب النار . وقيل : تقلب بأن تلفحها النار مرة وتنضجها مرة . وقيل : إن تقلب القلوب وجيبها ( 4 ) ، وتقلب الابصار النظر بها إلى نواحي الأهوال . ( ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ) فذكر الجزاء على الحسنات ، ولم يذكر الجزاء على السيئات وإن كان يجازي عليها لامرين : أحدهما - أنه ترغيب ، فاقتصر على ذكر الرغبة . الثاني - أنه في صفة قوم لا تكون منهم الكبائر ، فكانت صغائرهم مغفورة . ( ويزيدهم من فضله ) يحتمل وجهين : أحدهما - ما يضاعفه من الحسنة بعشر أمثالها . الثاني - ما يتفضل به من غير جزاء . ( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) أي من غير أن يحاسبه على ما أعطاه ، إذ لا نهاية لعطائه . وروي أنه لما نزلت هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء مسجد قباء ، فحضر عبد الله بن رواحة فقال : يا رسول الله ، قد أفلح من بنى المساجد ؟ قال : ( نعم يا بن رواحة ) قال : وصلى فيها قائما وقاعدا ؟ قال : ( نعم يا بن رواحة ) قال : ولم يبت لله إلا ساجدا ؟ قال : ( نعم يا بن رواحة . كف عن السجع فما أعطى عبد شيئا شرا من طلاقة في لسانه ) ، ذكره الماوردي . قوله تعالى : والذين كفروا أعملهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب ( 39 )

--> ( 1 ) راجع ج 17 ص 15 . ( 2 ) راجع ج 14 ص 249 . ( 3 ) راجع ج 7 ص 65 . ( 4 ) وجب القلب وجيبا : اضطرب .