القرطبي
27
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يكون أشد حرا منه . وقيل : المعنى أن النار قد أحاطت بهم كإحاطة الثياب المقطوعة إذا لبسوها عليهم ، فصارت من هذا الوجه ثيابا لأنها بالإحاطة كالثياب ، مثل : " وجعلنا الليل لباسا " ( 1 ) [ النبأ : 10 ] . ( يصب من فوق رؤوسهم الحميم ) أي الماء الحار المغلى بنار جهنم . وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان ) . قال : هذا حديث حسن صحيح غريب . ( يصهر ) يذاب . ( به ما في بطونهم ) والصهر إذابة الشحم . والصهارة ما ذاب منه ، يقال : صهرت الشئ فانصهر ، أي أذبته فذاب ، فهو صهير . قال ابن أحمر يصف فرخ قطاة : تروي لقى ألقي في صفصف * تصهره الشمس فما ينصهر ( 2 ) أي تذيبه الشمس فيصبر على ذلك . ( والجلود ) أي وتحرق الجلود ، أو تشوى الجلود ، فإن الجلود لا تذاب ، ولكن يضم في كل شئ ما يليق به ، فهو كما تقول : أتيته فأطعمني ثريدا ، إي والله ولبنا قارصا ( 3 ) ، أي وسقاني لبنا . وقال الشاعر : * علفتها تبنا وماء باردا * ( ولهم مقامع من حديد ) أي يضربون بها ويدفعون ، الواحدة مقمعة ، ومقمع أيضا كالمحجن ، يضرب به على رأس الفيل . وقد قمعته إذا ضربته بها . وقمعته وأقمعته بمعنى ، أي قهرته وأذللته فانقمع . قال ابن السكيت : أقمعت الرجل عنى إقماعا إذا طلع عليك فرددته عنك . وقيل : المقامع المطارق ، وهي المرازب أيضا . وفي الحديث ( بيد كل ملك من خزنة جهنم مرزبة لها شعبتان فيضرب الضربة فيهوي بها سبعين ألفا ) . وقيل : المقامع سياط من نار ، وسميت بذلك لأنها تقمع المضروب ، أي تذلله .
--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 169 فما بعد . ( 2 ) تروى تسوق إليه الماء ، أي تصير له كالراوية . واللقى ( بالفتح ) : الشئ الملقى لهوانه . والصفصف : المستوي من الأرض . ( 3 ) القارص : الحامض من ألبان الإبل خاصة . وقيل : القارص اللبن الذي يحذي اللسان ، ولم يخصص .