القرطبي
267
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى . وروى الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول من حديث أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم ) . احتج من أباح ذلك بأن فيه تعظيم المساجد والله تعالى أمر بتعظيمها في قوله : " في بيوت أذن الله أن ترفع " يعنى تعظم . وروي عن عثمان أنه بنى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالساج ( 1 ) وحسنه . قال أبو حنيفة : لا بأس بنقش المساجد بماء الذهب . وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه نقش مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبالغ في عمارته وتزيينه ، وذلك في زمن ولايته قبل خلافته ، ولم ينكر عليه أحد ذلك . وذكر أن الوليد بن عبد الملك أنفق في عمارة مسجد دمشق وفي تزيينه مثل خراج الشام ثلاث مرات . وروي أن سليمان بن داود عليهما [ الصلاة و ] ( 2 ) السلام بنى مسجد بيت المقدس وبالغ في تزيينه . الرابعة - ومما تصان عنه المساجد وتنزه عنه الروائح الكريهة والأقوال السيئة وغير ذلك على ما نبينه ، وذلك من تعظيمها . وقد صح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غزوة تبوك : ( من أكل من هذه الشجرة - يعنى الثوم - فلا يأتين المساجد ) . وفي حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه سلم قال : ( من أكل من هذه البقلة الثوم ) وقال مرة : ( من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ) . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته : ( ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ولا أراهما إلا خبيثتين ، هذا البصل والثوم ، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من رجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع ، فمن أكلهما فليمتهما طبخا . خرجه مسلم في صحيحه . قال العلماء : وإذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يتأذى به ففي القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيها عليهم ، أو كان ذا رائحة قبيحة لا تريمه ( 3 ) لسوء صناعته ، أو عاهة مؤذية كالجذاء
--> ( 1 ) الساج : شجر يعظم جدا ، لا ينبت ببلاد الهند ، وخشبه رزين ، لا تكاد الأرض تبليه . ( 2 ) من ك . ( 3 ) أي لا تفارقه .