القرطبي
264
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : وكذلك في جميع الأقوال لعدم ارتباطه بالآية ما عدا القول الأول ، وأن هذا مثل ضربه الله تعالى لنوره ، ولا يمكن أن يضرب لنوره المعظم مثلا تنبيها لخلقه إلا ببعض خلقه ، لان الخلق لقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم ومن أنفسهم ، ولولا ذلك ما عرف الله إلا الله وحده ، قاله ابن العربي . قال ابن عباس : هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضئ قبل أن تمسه النار ، فإن مسته النار ، زاد ضوءه ، كذلك قلب المؤمن يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاءه العلم زاده هدى على هدى ونورا على نور ، كقول إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة : " هذا ربى ( 1 ) " ، من قبل أن يخبره أحد أن له ربا ، فلما أخبره الله أنه ربه زاد هدى ، ف " - قال له ربه : أسلم قال أسلمت لرب العالمين ( 2 ) " [ البقرة : 131 ] . ومن قال إن هذا مثل للقرآن في قلب المؤمن قال : كما أن هذا المصباح يستضاء به ولا ينقص فكذلك القرآن يهتدى به ولا ينقص ، فالمصباح القرآن ، والزجاجة قلب المؤمن ، والمشكاة لسانه وفهمه ، والشجرة المباركة شجرة الوحي . ( يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار ) تكاد حجج القرآن تتضح ولو لم يقرأ . ( نور على نور ) يعنى أن القرآن نور من الله تعالى لخلقه ، مع ما أقام لهم من الدلائل والاعلام قبل نزول القرآن ، فازدادوا بذلك نورا على نور . ثم أخبر أن هذا النور المذكور عزيز ، وأنه لا يناله إلا من أراد الله هداه فقال : ( يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس ) أي يبين الأشباه تقريبا إلى الافهام . ( والله بكل شئ عليم ) أي بالمهدي والضال . وروي عن ابن عباس أن اليهود قالوا : يا محمد ، كيف يخلص نور الله تعالى من دون السماء ، فضرب الله تعالى ذلك مثلا لنوره . قوله تعالى : في بيوت أذن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ( 36 ) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصر ( 37 ) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب ( 38 )
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 25 . ( 2 ) راجع ج 2 ص 134 .