القرطبي

257

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين . وقال ابن عباس وأنس : المعنى الله هادي أهل السماوات والأرض . والأول أعم للمعاني وأصح مع التأويل . أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن ، والدلائل تسمى نورا . وقد سمى الله تعالى كتابه نورا فقال : " وأنزلنا إليكم نورا مبينا " [ النساء : 174 ] وسمى نبيه نورا فقال : " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين " [ المائدة : 15 ] . وهذا لان الكتاب يهدي ويبين ، وكذلك الرسول . ووجه الإضافة إلى الله تعالى أنه مثبت الدلالة ومبينها وواضعها . وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل به ، بل وقع التشبيه فيه جملة بجملة ، وذلك أن يريد مثل نور الله الذي هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق وبراهينه الساطعة على الجملة ، كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة ، التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس ، فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر . والمشكاة : الكوة في الحائط غير النافذة ، قال ابن جبير وجمهور المفسرين ، وهي أجمع للضوء ، والمصباح فيها أكثر إنارة منه في غيرها ، وأصلها الوعاء يجعل فيه الشئ . والمشكاة وعاء من أدم كالدلو يبرد فيها الماء ، وهو على وزن مفعلة كالمقراة والمصفاة . قال الشاعر : كأن عينيه مشكاتان في حجر * قيضا اقتياضا بأطراف المناقير وقيل : المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة . وقال مجاهد : هي القنديل . وقال " في زجاجة " لأنه جسم شفاف ، والمصباح فيه أنور منه في غير الزجاج . والمصباح : الفتيل بناره أي في الإنارة والضوء . وذلك يحتمل معنيين : إما أن يريد أنها بالمصباح كذلك ، وإما أن يريد أنها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها كذلك . وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور .