القرطبي
227
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
جزم جوابا . وبدأ بالغض قبل الفرج لان البصر رائد للقلب ، كما أن الحمى رائد الموت . وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال : ألم تر أن العين للقلب رائد * فما تألف العينان فالقلب آلف وفي الخبر ( النظر سهم من سهام إبليس مسموم فمن غض بصره أورثه الله الحلاوة في قلبه ) . وقال مجاهد : إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزينها لمن ينظر ، فإذا أدبرت جلس على عجزها فزينها لمن ينظر . وعن خالد بن أبي عمران قال : لا تتبعن النظرة النظرة فربما نظر العبد نظرة نغل ( 1 ) منها قلبه كما ينغل الأديم فلا ينتفع به . فأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات بغض الابصار عما لا يحل ، فلا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة ولا المرأة إلى الرجل ، فإن علاقتها به كعلاقته بها ، وقصدها منه كقصده منها . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر . . . ) الحديث . وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء : لا يصلح النظر إلى شئ منهن ممن يشتهى النظر إليهن وإن كانت صغيرة . وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري . وفي الصحيحين عنه عليه السلام أنه صرف وجه الفضل عن الخثعمية حين سألته ، وطفق الفضل ينظر إليها ( 2 ) . وقال عليه السلام : ( الغيرة من الايمان والمذاء من النفاق ) . والمذاء هو أن يجمع الرجل بين النساء والرجال ثم يخليهم يماذي بعضهم بعضا ، مأخوذ من المذي . وقيل : هو إرسال الرجال إلى النساء ، من قولهم : مذيت الفرس إذا أرسلتها ترعى . وكل ذكر يمذي ، وكل أنثى تقذي ، فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبدي زينتها إلا لمن تحل له ، أو لمن هي محرمة عليه على التأبيد ، فهو آمن أن يتحرك طبعه إليها لوقوع اليأس له منها .
--> ( 1 ) النغل ( بالتحريك ) : الفساد . ونغل الأديم إذا عفن وتهرى في الدباغ فينفسد ويهلك . ( 2 ) في البخاري : " عن ابن عباس قال : كان الفضل رديف النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم ، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر ، فقالت : إن فريضة الله أدركت أبى شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه ؟ قال نعم " .