القرطبي
223
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
البصر هو الباب الأكبر إلى القلب ، وأعمر طرق الحواس إليه ، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته . ووجب التحذير منه ، وغضه واجب عن جميع المحرمات ، وكل ما يخشى الفتنة من أجله ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والجلوس على الطرقات ) فقالوا : يا رسول الله ، ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها . فقال : ( فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه ) قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال : ( غض البصر وكف الأذى ورد السلام والامر بالمعروف والنهى عن المنكر ) . رواه أبو سعيد الخدري ، خرجه البخاري ومسلم . وقال صلى الله عليه وسلم لعلى : ( لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية ) . وروى الأوزاعي قال : حدثني هارون بن رئاب أن غزوان وأبا موسى الأشعري كانا في بعض مغازيهم ، فكشفت جارية فنظر إليها غزوان ، فرفع يده فلطم عينه حتى نفرت ( 1 ) ، فقال : إنك للحاظة إلى ما يضرك ولا ينفعك ، فلقي أبا موسى فسأله فقال : ظلمت عينك ، فاستغفر الله وتب ، فإن لها أول نظرة وعليها ما كان بعد ذلك . قال الأوزاعي : وكان غزوان ملك نفسه فلم يضحك حتى مات رضي الله عنه . وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة ، فأمرني أن أصرف بصري . وهذا يقوي قول من يقول : إن " من " للتبعيض ، لان النظرة الأولى لا تملك فلا تدخل تحت خطاب تكليف ، إذ وقوعها لا يتأتى أن يكون مقصودا ، فلا تكون مكتسبة فلا يكون مكلفا بها ، فوجب التبعيض لذلك ، ولم يقل ذلك في الفرج ، لأنها تملك . ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته ، وزمانه خير من زماننا هذا ! وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرمة ( 2 ) نظر شهوة يرددها . الرابعة قوله تعالى : ( ويحفظوا فروجهم ) أي يستروها عن أن يراها من لا يحل . وقيل : " ويحفظوا فروجهم " أي عن الزنى ، وعلى هذا القول لو قال ( 3 ) : " من فروجهم " لجاز . والصحيح أن الجميع مراد واللفظ عام . وروى بهز بن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه عن جده قال : قلت يا رسول الله ، عوراتنا ما نأتى منها وما نذر ؟ قال : ( احفظ
--> ( 1 ) نفرت العين وغيرها من الأعضاء تنفر نفورا : هاجت وورمت . ( 2 ) في ك : محرم . ( 3 ) أي في غير القرآن .