القرطبي

210

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثانية : ( لعنوا في الدنيا والآخرة ) قال العلماء : إن كان المراد بهذه الآية المؤمنين من القذفة فالمراد باللعنة الابعاد وضرب الحد واستيحاش المؤمنين منهم وهجرهم لهم ، وزوالهم عن رتبة العدالة والبعد عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين . وعلى قول من قال : هي خاصة لعائشة تترتب هذه الشدائد في جانب عبد الله بن أبي وأشباهه . وعلى قول من قال : نزلت في مشركي مكة فلا كلام ، فإنهم مبعدون ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم ، ومن أسلم فالاسلام يجب ما قبله . وقال أبو جعفر النحاس : من أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية إنه عام لجميع الناس القذفة من ذكر وأنثى ، ويكون التقدير : إن الذين يرمون الأنفس المحصنات ، فدخل في هذا المذكر والمؤنث ، وكذا في الذين يرمون ، إلا أنه غلب المذكر على المؤنث . قوله تعالى : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ( 24 ) قراءة العامة بالياء ، واختاره أبو حاتم . وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف : " يشهد " بالياء ، واختاره أبو عبيد ، لان الجار والمجرور قد حال بين الاسم والفعل ، والمعنى : يوم تشهد ألسنة بعضهم على بعض بما كانوا يعملون من القذف والبهتان . وقيل : تشهد عليهم ألسنتهم ذلك اليوم بما تكلموا به . " وأيديهم وأرجلهم " أي وتتكلم الجوارح بما عملوا في الدنيا . قوله تعالى : يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين ( 25 ) أي حسابهم وجزاؤهم . وقرأ مجاهد : " يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق " برفع " الحق " على أنه نعت لله عز وجل . قال أبو عبيد : ولولا كراهة خلاف الناس لكان الوجه الرفع ، ليكون نعتا لله عز وجل ، وتكون موافقة لقراءة أبى ، وذلك أن جرير بن حازم قال : رأيت في مصحف أبى " يوفيهم الله الحق دينهم " . قال النحاس : وهذا الكلام من أبى عبيد غير