القرطبي
187
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقال عليه السلام : ( لولا الايمان لكان لي ولها شأن ) . وأما ما احتج به الثوري وأبو حنيفة فهي حجج لا تقوم على ساق ، منها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أربعة ليس بينهم لعان ليس بين الحر والأمة لعان وليس بين الحرة والعبد لعان وليس بين المسلم واليهودية لعان وليس بين المسلم والنصرانية لعان ) . أخرجه الدارقطني من طرق ضعفها كلها . وروى عن الأوزاعي وابن جريج وهما إمامان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قوله ، ولم يرفعه ( 1 ) إلى النبي صلى الله عليه وسلم . واحتجوا من جهة النظر أن الأزواج لما استثنوا من جملة الشهداء بقوله : " ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " وجب ألا يلاعن إلا من تجوز شهادته . وأيضا فلو كانت يمينا ما رددت ، والحكمة في ترديدها قيامها في الاعداد مقام الشهود في الزنى . قلنا : هذا يبطل بيمين القسامة فإنها تكرر وليست بشهادة إجماعا ، والحكمة في تكرارها التغليظ في الفروج والدماء . قال ابن العربي : والفيصل في أنها يمين لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواه وتخليصه من العذاب ، وكيف يجوز لاحد أن يدعى في الشريعة أن شاهدا يشهد لنفسه بما يوجب حكما على غيره هذا بعيد في الأصل معدوم في النظر . السادسة - واختلف العلماء في ملاعنة الأخرس ، فقال مالك والشافعي : يلاعن ، لأنه ممن يصح طلاقه وظهاره وإيلاؤه ، إذا فهم ذلك عنه . وقال أبو حنيفة : لا يلاعن ، لأنه ليس من أهل الشهادة ، ولأنه قد ينطق بلسانه فينكر اللعان ، فلا يمكننا إقامة الحد عليه . وقد تقدم هذا المعنى في سورة " مريم " ( 2 ) والدليل عليه ، والحمد لله . السابعة - قال ابن العربي : رأى أبو حنيفة عموم الآية فقال : إن الرجل إذا قذف زوجته بالزنى قبل أن يتزوجها فإنه يلاعن ، ونسي أن ذلك قد تضمنه قوله تعالى : " والذين يرمون المحصنات " وهذا رماها محصنة غير زوجة ، وإنما يكون اللعان في قذف يلحق فيه النسب ، وهذا قذف لا يلحق فيه نسب فلا يوجب لعانا ، كما لو قذف أجنبية .
--> ( 1 ) في سنن الدارقطني : " يرفعاه " . ( 2 ) راجع ج 11 ص 101 .