القرطبي
185
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثالثة - قوله تعالى : ( والذين يرمون أزواجهم ) عام في كل رمى ، سواء قال : زنيت أو يا زانية أو رأيتها تزني ، أو هذا الولد ليس منى ، فإن الآية مشتملة عليه . ويجب اللعان إن لم يأت بأربعة شهداء ، وهذا قول جمهور العلماء وعامة الفقهاء وجماعة أهل الحديث . وقد روى عن مالك مثل ذلك . وكان مالك يقول : لا يلاعن إلا أن يقول : رأيتك تزني ، أو ينفى حملا أو ولدا منها . وقول أبى الزناد ويحيى بن سعيد والبتي مثل قول مالك : إن الملاعنة لا تجب بالقذف وإنما تجب بالرؤية أو نفى الحمل مع دعوى الاستبراء ، هذا هو المشهور عند مالك ، وقاله ابن القاسم . والصحيح الأول لعموم قوله : " والذين يرمون أزواجهم " . قال ابن العربي : وظاهر القرآن يكفي لايجاب اللعان بمجرد القذف من غير رؤية ، فلتعولوا عليه ، لا سيما وفي الحديث الصحيح : أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فاذهب فأت بها ) ولم يكلفه ذكر الرؤية . وأجمعوا أن الأعمى يلاعن إذا قذف امرأته . ولو كانت الرؤية من شرط اللعان ما لاعن الأعمى ، قاله أبو عمر وقد ذكر ابن القصار عن مالك أن لعان الأعمى لا يصح إلا أن يقول : لمست فرجه في فرجها . والحجة لمالك ومن اتبعه ما رواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم ، فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلا ، فرأى بعينه وسمع بأذنه فلم يهجه حتى أصبح ، ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندهم رجلا ، فرأيت بعيني وسمعت بأذني ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه ، فنزلت : " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " الآية ، وذكر الحديث . وهو نص على أن الملاعنة التي قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كانت في الرؤية ، فلا يجب أن يتعدى ذلك . ومن قذف امرأته ولم يذكر رؤية حد ، لعموم قوله تعالى : " والذين يرمون المحصنات " . الرابعة - إذا نفى الحمل فإنه يلتعن ، لأنه أقوى من الرؤية ولا بد من ذكر عدم الوطئ والاستبراء بعده . واختلف علماؤنا في الاستبراء ، فقال المغيرة ومالك في أحد قوليهما :