القرطبي
176
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
جلدناك . فقالت : ردوني إلى أهلي غيري نغرة ( 1 ) . قال أبو عبيد : في هذا الحديث من الفقه أن على الرجل إذا واقع جارية امرأته الحد . وفيه أيضا : إذا قذفه بذلك قاذف كان على قاذفه الحد ، ألا تسمع قوله : وإن كنت كاذبة جلدناك . ووجه هذا كله إذا لم يكن الفاعل جاهلا بما يأتي وبما يقول ، فإن كان جاهلا وادعى شبهة درئ عنه الحد في ذلك كله . وفيه أيضا أن رجلا لو قذف رجلا بحضرة حاكم وليس المقذوف بحاضر أنه لا شئ على القاذف حتى يجئ فيطلب حده ، لأنه لا يدرى لعله يصدقه ، ألا ترى أن عليا عليه السلام لم يعرض لها . وفيه أن الحاكم إذا قذف عنده رجل ثم جاء المقذوف فطلب حقه أخذه الحاكم بالحد بسماعه ، ألا تراه يقول : وإن كنت كاذبة جلدناك ، وهذا لأنه من حقوق الناس . قلت : اختلف هل هو من حقوق الله أو من حقوق الآدميين ، وسيأتي . قال أبو عبيد : قال الأصمعي سألني شعبة عن قوله : " غيري نغرة " فقلت له : هو مأخوذ من نغر القدر ، وهو غليانها وفورها يقال منه : نغرت تنغر ، ونغرت تنغر إذا غلت . فمعناه أنها أرادت أن جوفها يغلى من الغيظ والغيرة لما لم تجد عنده ما تريد . قال : ويقال منه رأيت فلانا يتنغر على فلان أي يغلى جوفه عليه غيظا . الثانية عشرة - من قذف زوجة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حد حدين ، قاله مسروق . قال ابن العربي : والصحيح أنه حد واحد ، لعموم قوله تعالى : " والذين يرمون المحصنات " الآية ، ولا يقتضي شرفهن زيادة في حد من قذفهن ، لان شرف المنزلة لا يؤثر في الحدود ، ولا نقصها يؤثر في الحد بتنقيص . والله أعلم . وسيأتي الكلام فيمن قذف عائشة رضي الله عنها ، هل يقتل أم لا . الثالثة عشرة - قوله تعالى : ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) الذي يفتقر إلى أربعة شهداء دون سائر الحقوق هو الزنى ، رحمة بعباده وسترا لهم . وقد تقدم في سورة النساء ( 2 ) .
--> ( 1 ) سيأتي الكلام على هذه الجملة بعد قليل . ( 2 ) راجع ج 5 ص 72 .