القرطبي

153

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : قالوا ربنا غلبت شقوتنا وكنا قوما ضالين ( 106 ) ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ( 107 ) قال اخسئوا فيها ولا تكلمون ( 108 ) قوله تعالى : ( قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا ) قراءة أهل المدينة وأبى عمرو وعاصم " شقوتنا " وقرأ الكوفيون إلا عاصما : " شقاوتنا " . وهذه القراءة مروية عن ابن مسعود والحسن . ويقال : شقاء وشقا ، بالمد والقصر . وأحسن ما قيل في معناه : غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا ، فسمى اللذات والأهواء شقوة ، لأنهما يؤديان إليها ، كما قال الله عز وجل : " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ( 1 ) " [ النساء : 10 ] ، لان ذلك يؤديهم إلى النار . وقيل : ما سبق في علمك وكتب علينا في أم الكتاب من الشقاوة . وقيل : حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق . ( وكنا قوما ضالين ) أي كنا في فعلنا ضالين عن الهدى . وليس هذا اعتذار منهم إنما هو إقرار ، ويدل على ذلك قولهم : ( ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ) طلبوا الرجعة إلى الدنيا كما طلبوها عند الموت . " فإن عدنا " إلى الكفر " فإنا ظالمون " لأنفسنا بالعود إليه فيجابون بعد ألف سنة : ( اخسؤا فيها ولا تكلمون ) أي ابعدوا في جهنم ، كما يقال للكلب : اخسأ ، أي أبعد . خسأت الكلب خسئا طردته . وخسأ الكلب بنفسه خسوءا ، يتعدى ولا يتعدى . وانخسأ الكلب أيضا . وذكر ابن المبارك قال : حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة يذكره عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو ابن العاصي قال : إن أهل جهنم يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما ، ثم يرد عليهم : إنكم ماكثون . قال : هانت والله دعوتهم على مالك ورب مالك . قال : ثم يدعون ربهم فيقولون : " ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين . ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون " . قال : فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين . قال : ثم يرد عليهم اخسئوا فيها . قال : فوالله ما نبس القوم بعدها بكلمة ، وما هو إلا الزفير والشهيق من نار جهنم

--> ( 1 ) راجع ج 5 ص 53