القرطبي

148

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : وقل رب أعوذ بك من همزت الشيطين ( 97 ) وأعوذ بك رب أن يحضرون ( 98 ) قوله تعالى : ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ) . فيه مسئلتان : الأولى - قوله تعالى : ( من همزات الشياطين ) الهمزات هي جمع همزة . والهمز في اللغة النخس والدفع ، يقال : همزة ولمزه ونخسه دفعه . قال الليث : الهمز كلام من وراء القفا ، واللمز مواجهة . والشيطان يوسوس فيهمس في وسواسه في صدر ابن آدم ، وهو قوله : " أعوذ بك من همزات الشياطين " أي نزغات الشياطين الشاغلة عن ذكر الله تعالى . وفي الحديث : كان يتعوذ من همز الشياطين ولمزه وهمسه . قال أبو الهيثم : إذا أسر الكلام وأخفاه فذلك الهمس من الكلام . وسمى الأسد هوسا ، لأنه يمشى بخفة فلا يسمع صوت وطئه . وقد تقدم في " طه ( 1 ) " . الثانية - أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالتعوذ من الشيطان في همزاته ، وهي سورات الغضب التي لا يملك الانسان فيها نفسه ، وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادة فلذلك اتصلت بهذه الآية . فالنزغات وسورات الغضب الواردة من الشيطان هي المتعوذ منها في الآية ، وقد تقدم في آخر " الأعراف ( 2 ) بيانه مستوفى ، وفي أو الكتاب أيضا ( 3 ) . وروى عن علي بن حرب بن محمد الطائي حدثنا سفيان عن أيوب عن محمد بن حبان أن خالدا كان يؤرق من الليل ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأمره أن يتعوذ بكلمات الله التامة من غضب الله وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون . وفي كتاب أبى داود قال عمر : وهمزه الموتة ، قال ابن ماجة : الموتة يعنى الجنون . والتعوذ أيضا من الجنون وكيد . وفي قراءة أبى " رب عائذا بك من همزات الشياطين ، وعائذا بك أن يحضرون ، أي يكونوا معي في أموري ،

--> ( 1 ) راجع ج 11 ص 247 . ( 2 ) راجع ج 7 ص 347 . ( 3 ) راجع ج 1 ص 86 .