القرطبي

138

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

طاعة الله تعالى ، إما في هذيان وإما في إذاية . وكان الأعمش يقول : إذا رأيت الشيخ ولم يكتب الحديث فاصفعه فإنه من شيوخ القمر ، يعنى يجتمعون في ليالي القمر فيتحدثون بأيام الخلفاء والامراء ولا يحسن أحدهم يتوضأ للصلاة . الثالثة - روى مسلم عن أبي برزة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها . قال العلماء : أما الكراهية للنوم قبلها فلئلا يعرضها للفوات عن كل وقتها أو أفضل وقتها ، ولهذا قال عمر : فمن نام فلا نامت عينه ، ثلاثا . وممن كره النوم قبلها عمر وابنه عبد الله وابن عباس وغيرهم ، وهو مذهب مالك . ورخص فيه بعضهم ، منه على وأبو موسى وغيرهم ، وهو مذهب الكوفيين . وشرط بعضهم أن يجعل معه من يوقظه للصلاة . وروى عن ابن عمر مثله وإليه ذهب الطحاوي . وأما كراهية الحديث بعدها فلان الصلاة قد كفرت خطاياه فينام على سلامة ، وقد ختم الكتاب صحيفته بالعبادة ، فإن هو سمر وتحدث فيملؤها بالهوس ويجعل خاتمتها اللغو والباطل ، وليس هذا من فعل المؤمنين . وأيضا فإن السمر في الحديث مظنة غلبة النوم آخر الليل فينام عن قيام آخر الليل ، وربما ينام عن صلاة الصبح . وقد قيل : إنما يكره السمر بعدها لما روى جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والسمر بعد هدأة الرجل فإن أحدكم لا يدرى ما يبث الله تعالى من خلقه أغلقوا الأبواب وأوكوا السقاء وخمروا الاناء وأطفئوا المصابيح ) . وروى عن عمر أنه كان يضرب الناس على الحديث بعد العشاء ، ويقول : أسمرا أول الليل ونوما آخره ! أريحوا كتابكم . حتى أنه روى عن ابن عمر أنه قال : من قرض بيت شعر بعد العشاء لم تقبل له صلاة حتى يصبح . وأسنده شداد بن أوس إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وقد قيل : إن الحكمة في كراهية الحديث بعدها إنما هو لما أن الله تعالى جعل الليل سكنا ، أي يسكن فيه ، فإذا تحدث الانسان فيه فقد جعله في النهار الذي هو متصرف المعاش ، فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى التي أجرى عليها وجوده فقال : " وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا " ( 1 ) [ الفرقان : 47 ] .

--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 38 .