القرطبي

133

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

واوا لتآخي حروف المد واللين في الخفاء ، حكاه ابن الأنباري . قال النحاس : المعروف من قراءة ابن عباس " والذين يأتون ما أتوا " وهي القراءة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عائشة رضي الله عنها ، ومعناها يعملون ما عملوا ، كما روى في الحديث . والوجل نحو الاشفاق والخوف ، فالتقى والتائب خوفه أمر العاقبة وما يطلع عليه بعد الموت . وفي قوله : ( أنهم إلى ربهم راجعون ) تنبيه على الخاتمة . وفي صحيح البخاري ( وإنما الأعمال بالخواتيم ) . وأما المخلط فينبغي له أن يكون تحت خوف من أن ينفذ عليه الوعيد بتخليطه . وقال أصحاب الخواطر : وجل العارف من طاعته أكثر وجلا من وجله من مخالفته ، لان المخالفة تمحوها التوبة ، والطاعة تطلب بتصحيح الغرض . ( 1 ) ( أنهم ) أي لأنهم ، أو من أجل ( أنهم إلى ربهم راجعون ) . قوله تعالى : أولئك يسرعون في الخيرات وهم لها سابقون ( 61 ) قوله تعالى : ( أولئك يسارعون في الخيرات ) أي في الطاعات ، كي ينالوا بذلك أعلى الدرجات والغرفات . وقرئ : " يسرعون " في الخيرات ، أي يكونوا سراعا إليها . ويسارعون على معنى يسابقون من سابقهم إليها ، فالمفعول محذوف . قال الزجاج : يسارعون أبلغ من يسرعون . ( ولهم لها سابقون ) أحسن ما قيل فيه : أنهم يسبقون إلى أوقاتها . ودل بهذا أن الصلاة في أول الوقت أفضل ، كما تقدم في " البقرة ( 2 ) " وكل من تقدم في شئ فهو سابق إليه ، وكل من تأخر عنه فقد سبقه وفاته ، فاللام في " لها " على هذا القول بمعنى إلى ، كما قال : " بأن ربك أوحى ( 3 ) لها " [ الزلزلة : 5 ] أي أوحى إليها . وأنشد سيبويه : تجانف عن جو اليمامة ناقتي * وما قصدت من أهلها لسوائكا ( 4 ) وعن ابن عباس في معنى " وهم لها سابقون " سبقت لهم من الله السعادة ، فلذلك سارعوا في الخيرات . وقيل : المعنى وهم من أجل الخيرات سابقون .

--> ( 1 ) كذا في ب وج‍ وفى ك وط : الغرض وفى ا : الفرض . ( 2 ) راجع ج 2 ص 165 . ( 3 ) راجع ج 20 ص 148 فما بعد . ( 4 ) البيت للأعشى . والتجانف : الانحراف والجو ما اتسع من الأدوية .