القرطبي
130
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الترمذي وزاد : قالوا ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ( ما أنا عليه وأصحابي ) خرجه من حديث عبد الله بن عمرو . وهذا يبين أن الافتراق المحذر منه في الآية والحديث إنما هو في أصول الدين وقواعده ، لأنه قد أطلق عليها مللا ، وأخبر أن التمسك بشئ من تلك الملل موجب لدخول النار . ومثل هذا لا يقال في الفروع ، فإنه لا يوجب تعديد الملل ولا عذاب النار ، قال الله تعالى : " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ( 1 ) " [ المائدة : 48 ] . قوله تعالى : ( زبرا ) يعنى كتبا وضعوها وضلالات ألفوها ، قاله ابن زيد . وقيل : إنهم فرقوا الكتب فاتبعت فرقة الصحف وفرقة التوراة وفرقة الزبور وفرقة الإنجيل ، ثم حرف الكل وبدل ، قاله قتادة . وقيل : أخذ كل فريق منهم كتابا آمن به وكفر بما سواه . و " زبرا " بضم الباء قراءة نافع ، جمع زبور . والأعمش وأبو عمرو بخلاف عنه " زبرا " بفتح الباء ، أي قطعا كقطع الحديد ، كقوله تعالى : " آتوني زبر الحديد ( 2 ) " [ الكهف : 96 ] . ( كل حزب ) أي فريق وملة . ( بما لديهم ) أي عندهم من الدين . ( فرحون ) أي معجبون به . وهذه الآية مثال لقريش خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم في شأنهم متصلا بقوله : " فذرهم في غمرتهم " أي فذر هؤلاء الذين هم بمنزلة من تقدم ، ولا يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم ، فلكل شئ وقت . والغمرة في اللغة ما يغمرك ويعلوك ، وأصله الستر ، ومنه الغمر الحقد لأنه يغطى القلب . والغمر الماء الكثير لأنه يغطى الأرض . وغمر الرداء الذي يشمل الناس بالعطاء ، قال : غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال المراد هنا الحيرة والغفلة والضلالة . ودخل فلان في غمار الناس ، أي في زحمتهم . وقوله تعالى : ( حتى حين ) قال مجاهد : حتى الموت ، فهو تهديد لا توقيت ، كما يقال : سيأتي لك يوم . قوله تعالى : أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ( 55 ) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ( 56 )
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 210 . ( 2 ) راجع ج 11 ص 60 .