القرطبي

112

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكنه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ( 18 ) فيه أربع مسائل : الأولى - هذه الآية من نعم الله تعالى على خلقه ومما أمتن به عليهم ، ومن أعظم المنن الماء الذي هو حياة الأبدان ونماء الحيوان . والماء المنزل من السماء على قسمين : هذا الذي ذكر الله سبحانه وتعالى وأخبر بأنه استودعه في الأرض ، وجعله فيها مختزنا لسقي الناس يجدونه عند الحاجة إليه ، وهو ماء الأنهار والعيون وما يستخرج من الابار . وروى عن ابن عباس وغيره أنه إنما أراد الأنهار الأربعة : سبحان وجيحان ونيل مصر والفرات . وقال مجاهد : ليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء . وهذا ليس على إطلاقه ، وإلا فالأجاج ثابت في الأرض ، فيمكن أن يقيد قوله بالماء العذب ، ولا محالة أن الله تعالى قد جعل في الأرض ماء وأنزل من السماء ماء . وقد قيل : إن قوله : " وأنزلنا من السماء ماء " إشارة إلى الماء العذب ، وأن أصله من البحر ، رفعه الله تعالى بلطفه وحسن تقديره من البحر إلى السماء ، حتى طاب بذلك الرفع والتصعيد ، ثم أنزله إلى الأرض لينتفع به ، ولو كان الامر إلى ماء البحر لما انتفع به من ملوحته . الثانية - قوله تعالى : ( بقدر ) أي على مقدار مصلح ، لأنه لو كثر أهلك ، ومنه قوله تعالى : " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ( 1 ) " الحجر : 21 ] . ( وإنا على ذهاب به لقادرون ) يعنى الماء المختزن . وهذا تهديد ووعيد ، أي في قدرتنا إذهابه وتغويره ، ويهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم ، وهذا كقوله تعالى : " قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا - أي غائرا - فمن يأتيكم بماء معين ( 2 ) " [ الملك : 30 ] . الثالثة - ذكر النحاس : قرئ على أبى يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس عن جامع بن سوادة فال : حدثنا سعيد بن سابق قال حدثنا مسلمة بن علي عن مقاتل بن حيان

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 14 . ( 2 ) راجع ج 18 ص 222 .