القرطبي

103

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أنزل على عشر آيات من أقامهن دخل الجنة - ثم قرأ - قد أفلح المؤمنون ) حتى ختم عشر آيات ، صححه ابن العربي . وقال النحاس : معنى " من أقامهن " من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن ، كما تقول : فلان يقوم بعمله . ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن . وقرأ طلحة بن مصرف : " قد أفلح المؤمنون " بضم الألف على الفعل المجهول ، أي أبقوا في الثواب والخير . وقد مضى في أول " البقرة " من الفلاح لغة ومعنى ( 1 ) ، والحمد لله وحده . الثانية - قوله تعالى : ( خاشعون ) روى المعتمر عن خالد عن محمد بن سيرين قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية " الذين هم في صلاتهم خاشعون " . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد . وفي رواية هشيم : كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله تعالى : " قد أفلح المؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون " ، فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم . وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلى إلى حيث ينظر في " البقرة " عند قوله : " فول وجهك شطر المسجد الحرام ( 2 ) " [ البقرة : 144 ] . وتقدم أيضا معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضا عند قوله تعالى : " وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ( 1 ) " [ البقرة : 45 ] . والخشوع محله القلب ، فإذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه ، إذ هو ملكها ، حسبما بيناه أول البقرة . وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمن أن يمد بصره إلى شئ وأن يحدث نفسه بشئ من الدنيا . وقال عطاء : هو ألا يعبث بشئ من جسده في الصلاة . وأبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال : ( لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ) . وقال أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم . ( إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى " . رواه الترمذي . وقال الشاعر :

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 181 وص 374 . ( 2 ) راجع ج 2 ص 158 .