القرطبي
98
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وعنه أيضا " وصمتا " بواو ، واختلاف اللفظين يدل على أن الحرف ذكر تفسيرا لا قرآنا ، فإذا أتت معه واو فممكن أن يكون غير الصوم . والذي تتابعت به الاخبار عن أهل الحديث ورواة اللغة أن الصوم هو الصمت ، لأن الصوم إمساك والصمت إمساك عن الكلام . وقيل : هو الصوم والمعروف ، وكان يلزمهم الصمت يوم الصوم إلا بالإشارة . وعلى هذا تخرج قراءة أنس " وصمتا " بواو ، وأن الصمت كان عندهم في الصوم ملتزما بالنذر ، كما أن من نذر منا المشي إلى البيت اقتضى ذلك الاحرام بالحج أو العمرة . ومعنى هذه الآية أن الله تعالى أمرها على لسان جبريل عليه السلام - أو ابنها على الخلاف المتقدم - بأن تمسك عن مخاطبة البشر ، وتحيل على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها ، وتتبين الآية فيقوم عذرها . وظاهر الآية أنها أبيح لها أن تقول هذه الألفاظ التي في الآية ، وهو قول الجمهور . وقالت فرقة : معنى " قولي " بالإشارة لا بالكلام . الزمخشري : وفيه أن السكوت عن السفيه واجب ، ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها . الثالثة - من التزم بالنذر ألا يكلم أحدا من الآدميين فيحتمل أن يقال إنه قربة فيلزم بالنذر ، ويحتمل أن يقال : ذلك لا يجوز في شرعنا لما فيه من التضييق وتعذيب النفس ، كنذر القيام في الشمس ونحوه . وعلى هذا كان نذر الصمت في تلك الشريعة لا في شريعتنا ، وقد تقدم . وقد أمر ابن مسعود من فعل ذلك بالنطق بالكلام . وهذا هو الصحيح لحديث أبي إسرائيل ، خرجه البخاري عن ابن عباس ( 1 ) . وقال ابن زيد والسدي : كانت سنة الصيام عندهم الامساك عن الاكل والكلام . قلت : ومن سنتنا نحن في الصيام الامساك عن الكلام القبيح ، قال عليه الصلاة والسلام ( إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم ) . وقال عليه الصلاة والسلام : ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) .
--> ( 1 ) الحديث كما في البخاري عن ابن عباس قال : بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا : أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه ) .