القرطبي

96

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وجد عندها رزقا " ( 1 ) الآية [ آل عمران : 37 ] . فلما ولدت أمرت بهز الجذع . قال علماؤنا : لما كان قلبها فارغا فرغ الله جارحتها عن النصب ، فلما ولدت عيسى وتعلق قلبها بحبه ، واشتغل سرها بحديثه وأمره ، وكلها إلى كسبها ، وردها إلى العادة بالتعلق بالأسباب في عباده . وحكى الطبري عن ابن زيد أن عيسى عليه السلام قال لها : لا تحزني ، فقالت له وكيف لا أحزن وأنت معي ؟ ! لا ذات زوج ولا مملوكة ! أي شئ عذري عند الناس ؟ ! ! " يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا " فقال لها عيسى : أنا أكفيك الكلام . الرابعة - قال الربيع بن خيثم : ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية ، ولو علم الله شيئا هو أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم ولذلك قالوا : التمر عادة للنفساء من ذلك الوقت وكذلك التحنيك . وقيل : إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل ، ذكره الزمخشري . قال ابن وهب قال مالك قال الله تعالى : " رطبا جنيا " الجني من التمر ما طاب من غير نقش ولا إفساد . والنقش أن ينقش من أسفل البسرة حتى ترطب ، فهذا مكروه ، يعني مالك أن هذا تعجيل للشئ قبل وقته ، فلا ينبغي لاحد أن يفعله ، وإن فعله فاعل ما كان ذلك مجوزا لبيعه ، ولا حكما بطيبه . وقد مضى هذا القول في الانعام ( 2 ) . والحمد لله . وعن طلحة بن سليمان " جنيا " بكسر الجيم للاتباع ، أي جعلنا ( 3 ) لك في السري والرطب فائدتين : إحداهما الأكل والشرب ، والثانية سلوة الصدر ، لكونهما معجزتين . وهو [ معنى ] ( 4 ) قوله تعالى : ( فكلي واشربي وقرى عينا ) أي فكلي من الجني ، واشربي من السري ، " وقري عينا " برؤية الولد النبي . وقرئ بفتح القاف وهي قراءة الجمهور . وحكى الطبري قراءة " وقري " بكسر القاف وهي لغة نجد . يقال : قر عينا يقر ويقر بضم القاف وكسرها وأقر الله عينه فقرت . وهو مأخوذ من القر والقرة وهما البرد . ودمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة . وضعف فرقة هذا وقالت : الدمع كله حار ، فمعنى أقر الله عينه أي سكن الله عينه بالنظر إلى من يحبه حتى تقر وتسكن ، وفلان قرة عيني ، أي

--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 69 . ( 2 ) راجع ج 7 ص 50 وما بعدها . ( 3 ) في ج وك : جمعنا . ( 4 ) الزيادة من الكشاف للزمخشري .