القرطبي
60
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( قال ما مكنى فيه ربي خير ) فيه مسألتان : الأولى - قوله تعالى : " قال ما مكني فيه ربي خير " المعنى قال لهم ذو القرنين ما بسطه الله تعالى لي من القدرة والملك خير من خرجكم وأموالكم ولكن أعينوني بقوة الأبدان ، أي برجال وعمل منكم بالأبدان ( 1 ) ، والآلة التي أبني بها الردم وهو السد . وهذا تأييد من الله تعالى لذي القرنين في هذه المحاورة فإن القوم لو جمعوا له خرجا لم يعنه أحد ولو كلوه إلى البنيان ومعونته ( 2 ) بأنفسهم أجمل به وأسرع في انقضاء هذا العمل وربما أربى ما ذكروه له على الخرج . وقرأ ابن كثير وحده : " ما مكنني " بنونين . وقرأ الباقون : " ما مكني فيه ربي " . الثانية - في هذه الآية دليل على أن الملك فرض عليه أن يقوم بحماية الخلق في حفظ بيضتهم ، وسد فرجتهم ، وإصلاح ثغورهم ، من أموالهم التي تفئ عليهم ، وحقوقهم التي تجمعها خزانتهم تحت يده ونظره ، حتى لو أكلتها الحقوق ، وأنفذتها المؤن ، لكان عليهم جبر ذلك من أموالهم ، وعليه حسن النظر لهم ، وذلك بثلاثة شروط : الأول : ألا يستأثر عليهم بشئ . الثاني - أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم . الثالث - أن يسوي في العطاء بينهم على قدر منازلهم ، فإذا فنيت بعد هذا وبقيت صفرا فأطلعت الحوادث أمرا بذلوا أنفسهم قبل أموالهم ، فإن لم يغن ذلك فأموالهم تؤخذ منهم على تقدير ، وتصريف بتدبير ، فهذا ذو القرنين لما عرضوا عليه المال في أن يكف عنهم ما يحذرونه من عادية يأجوج ومأجوج قال : لست أحتاج إليه وإنما أحتاج إليكم . " فأعينوني بقوة " أي اخدموا بأنفسكم معي ، فان الأموال عندي والرجال عندكم ، ورأى أن الأموال لا تغني عنهم ، فإنه إن أخذها أجرة نقص ذلك مما يحتاج إليه ، فيعود بالاجر عليهم ، فكان التطوع بخدمة الأبدان أولى . وضابط الأمور لا يحل مال أحد إلا لضرورة تعرض ، فيؤخذ ذلك ، المال جهرا لا سرا ، وينفق بالعدل لا بالاستئثار ، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد بالامر . والله تعالى الموفق للصواب . قوله تعالى : ( آتوني زبر الحديد ) أي أعطوني زبر الحديد وناولونيها أمرهم بنقل الآلة ، وهذا كله إنما هو استدعاء العطية التي بغير معنى الهبة ، وإنما هو استدعاء للمناولة ،
--> ( 1 ) في ج وك : بالأيدي . ( 2 ) في ك : معونتهم .