القرطبي
47
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ابن ذي يزن الحميري من ولد وائل بن حمير ، وقد تقدم قول ابن إسحاق . وقال وهب بن منبه : هو رومي . وذكر الطبري حديثا عن النبي عليه الصلاة والسلام أن ذا القرنين شاب من الروم . وهو حديث واهي السند ، قاله ابن عطية . قال السهيلي : والظاهر من علم الاخبار أنهما اثنان : أحدهما - كان على عهد إبراهيم عليه السلام ، ويقال : إنه الذي قضى لإبراهيم عليه السلام حين تحاكموا إليه في بئر السبع بالشام . والآخر : أنه كان قريبا من عهد عيسى عليه السلام . وقيل : إنه أفريدون الذي قتل بيوراسب بن أرونداسب الملك الطاغي على عهد إبراهيم عليه السلام ، أو قبله بزمان . وأما الاختلاف في السبب الذي سمي به ، فقيل : إنه كان ذا ضفيرتين من شعر فسمي بهما ، ذكره الثعلبي وغيره . والضفائر قرون الرأس ، ومنه قول الشاعر : ( 1 ) فلثمت فاها آخذا بقرونها * شرب النزيف ببرد ماء الحشرج وقيل : إنه رأى في أول ملكه كأنه قابض على قرني الشمس ، فقص ذلك ، ففسر أنه سيغلب ما ذرت عليه الشمس ، فسمي بذلك ذا القرنين . وقيل : إنما سمي بذلك لأنه بلغ المغرب والمشرق فكأنه حاز قرني الدنيا . وقالت طائفة : إنه لما بلغ مطلع الشمس كشف بالرؤية قرونها فسمي بذلك ذا القرنين ، أو قرني الشيطان بها . وقال وهب بن منبه : كان له قرنان تحت عمامته . وسأل ابن الكواء عليا رضي الله تعالى عنه عن ذي القرنين أنبيا كان أم ملكا ؟ فقال : لاذا ولاذا ، كان عبدا صالحا دعا قومه إلى الله تعالى فشجوه على قرنه ، ثم دعاهم فشجوه على قرنه الآخر ، فسمي ذا القرنين . واختلفوا أيضا في وقت زمانه ، فقال قوم : كان بعد موسى . وقال قوم : كان في الفترة بعد عيسى وقيل : كان في وقت إبراهيم وإسماعيل . وكان الخضر عليه السلام صاحب لوائه الأعظم ، وقد ذكرناه في " البقرة " ( 2 ) . وبالجملة فإن الله تعالى مكنه وملكه ودانت له الملوك ، فروي أن جميع ملوك الدنيا كلها
--> ( 1 ) هو عمر بن أبي ربيعة والنزيف : المحموم الذي منع من الماء والسكران . والحشرج : النقرة في الجبل يجتمع فيها الماء فيصفو ، والكوز الصغير اللطيف أيضا . ( 2 ) راجع ج 3 ص 289 .