القرطبي

34

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ) استدل بهذا من قال : إن المسكين أحسن حالا من الفقير ، وقد مضى هذا المعنى مستوفي في سورة " براءة " ( 1 ) . وقد وقيل : إنهم كانوا تجارا ولكن من حيث هم مسافرون على قلت ( 2 ) في لجة بحر ، وبحال ضعف عن مدافعة خطب عبر عنهم بمساكين ، إذ هم في حالة يشفق عليهم بسببها ، وهذا كما تقول لرجل غني وقع في وهلة أو خطب : مسكين . وقال كعب وغيره : كانت لعشرة إخوة من المساكين ورثوها من أبيهم خمسة زمني ، وخمسة يعملون في البحر . وقيل : كانوا سبعة لكل واحد منهم زمانة ليست بالآخر . وقد ذكر النقاش أسماءهم ، فأما العمال منهم فأحدهم كان مجذوما ، والثاني أعور ، والثالث أعرج ، والرابع آدر ، والخامس محموما لا تنقطع عنه الحمى الدهر كله وهو أصغرهم ، والخمسة الذين لا يطيقون العمل : أعمى وأصم وأخرس ومقعد ومجنون ، وكان البحر الذي يعملون فيه ما بين فارس والروم ، ذكره الثعلبي . وقرأت فرقة : " لمساكين " بتشديد السين ، واختلف في ذلك فقيل : هم ملاحو السفينة ، وذلك أن المساك هو الذي يمسك رجل السفينة ، وكل الخدمة تصلح لامساكه فسمى الجميع مساكين . وقالت فرقة : أراد بالمساكين دبغة المسوك وهي الجلود واحدها مسك . والأظهر قراءة : " مساكين " بالتخفيف جمع مسكين ، وأن معناها : إن السفينة لقوم ضعفاء ينبغي أن يشفق عليهم . والله أعلم . قوله تعالى : ( فأردت أن أعيبها ) أي أجعلها ذات عيب ، يقال : عبت الشئ فعاب إذا صار ذا عيب ، فهو معيب وعائب . وقوله : ( وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ) قرأ ابن عباس وابن جبير : ( صحيحة ) وقرأ أيضا ابن عباس وعثمان بن عفان ( صالحة ) . و ( وراء ) أصلها بمعنى خلف ، فقال بعض المفسرين : إنه كان خلفه وكان رجوعهم عليه . والأكثر على أن معنى ( وراء ) هنا أمام ، يعضده قراءة ابن عباس وابن جبير " وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا " . قال ابن عطية : " وراءهم " هو عندي على بابه ، وذلك

--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 168 فما بعد . ( 2 ) من ج وك وى : أي على شرف هلاك أو خوف . في ط الأولى قلة وليست بصواب .