القرطبي

329

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : وذا النون إن ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ( 87 ) فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ( 88 ) قوله تعالى : ( وذا النون ) أي واذكر " ذا النون " وهو لقب ليونس بن متى لابتلاع النون إياه . والنون الحوت . وفي حديث عثمان رضي الله عنه أنه رأى صبيا مليحا فقال : دسموا نونته كي لا تصيبه العين . روى ثعلب عن ابن الأعرابي : النونة النقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير ، ومعنى دسموا سودوا . ( إن ذهب مغاضبا ) قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير : مغاضبا لربه عز وجل . واختاره الطبري والقتبي واستحسنه المهدوي ، وروي عن ابن مسعود . وقال النحاس : وربما أنكره هذا من لا يعرف اللغة وهو قول صحيح . والمعنى : مغاضبا من أجل ربه ، كما تقول : غضبت لك أي من أجلك . والمؤمن يغضب لله عز وجل إذا عصى . وأكثر أهل اللغة يذهب إلى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة : ( اشترطي لهم الولاء ) من هذا . وبالغ القتبي في نصرة هذا القول . وفي الخبر في وصف يونس : إنه كان ضيق الصدر فلما حمل أعباء النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع ( 1 ) تحت الحمل الثقيل ، فمضى على وجهه مضى الآبق الناد . وهذه المغاضبة كانت صغيرة . ولم يغضب على الله ولكن غضب لله إذ رفع العذاب عنهم . وقال ابن مسعود : أبق من ربه أي من أمر ربه حتى أمره بالعودة إليهم بعد رفع العذاب عنهم . فإنه كان يتوعد قومه نزول العذاب في وقت معلوم ، وخرج من عندهم في ذلك الوقت ، فأظلهم العذاب فتضرعوا فرفع عنهم ولم يعلم يونس بتوبتهم ، فلذلك ذهب مغاضبا وكان من حقه ألا يذهب إلا بإذن محدد . وقال الحسن : أمره الله تعالى بالمسير إلى قومه فسأل أن ينظر ليتأهب ، فأعجله الله حتى سأل أن يأخذ نعلا ليلبسها فلم ينظر ، وقيل له : الامر أعجل من ذلك - وكان في خلقه ضيق - فخرج مغاضبا لربه ، فهذا قول . وقول

--> ( 1 ) الربع : ما ولد من الإبل في الربيع .