القرطبي

322

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لأنها تعصفه بشدة تطيرها . وقرأ عبد الرحمن الأعرج والسلمي وأبو بكر " ولسليمان الريح " برفع الحاء على القطع مما قبله ، والمعنى ولسليمان تسخير الريح ، ابتداء وخبر . ( تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ) يعني الشام . يروي أنها كانت تجري به وبأصحابه إلى حيث أراد ، ثم ترده إلى الشام . وقال وهب : كان سليمان بن داود إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير ، وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره . وكان امرأ غزاء لا يقعد عن الغزو ، فإذا أراد أن يغزو أمر بخشب فمدت ورفع عليها الناس والدواب وآلة الحرب ، ثم أمر العاصف فأقلت ذلك ، ثم أمر الرخاء فمرت ( 1 ) به شهرا في رواحه وشهرا في غدوه ، وهو معنى قوله تعالى : " تجري بأمره رخاء حيث أصاب " ( 2 ) [ ص : 36 ] . والرخاء اللينة . ( وكنا بكل شئ عالمين ) أي بكل شئ عملنا عالمين بتدبيره . قوله تعالى : ( ومن الشياطين من يغوصون له ) أي وسخرنا له من يغوصون ، يريد تحت الماء . أي يستخرجون له الجواهر من البحر . والغوص النزول تحت الماء ، وقد غاص في الماء ، والهاجم على الشئ غائص . والغواص الذي يغوص في البحر على اللؤلؤ ، وفعله الغياصة . ( ويعملون عملا دون ذلك ) أي سوى ذلك من الغوص ، قاله الفراء . وقيل : يراد بذلك المحاريب والتماثيل وغير ذلك مما يسخرهم فيه . ( وكنا لهم حافظين ) أي لاعمالهم . وقال الفراء : حافظين لهم من أن يفسدوا أعمالهم ، أو يهيجوا أحدا من بني آدم في زمان سليمان . وقيل : " حافظين " من أن يهربوا أو يمتنعوا . أو حفظناهم من أن يخرجوا عن أمره . وقد قيل : إن الحمام والنورة والطواحين والقوارير والصابون من استخراج الشياطين . قوله تعالى : وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ( 83 ) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ( 84 )

--> ( 1 ) في ك : فمدت . ( 2 ) راجع ج 15 ص 198 فما بعد .