القرطبي
311
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ذلك أراد أن يجتهد في النازلة . ويفيد هذا صحة ما قاله الأصوليون : إن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرا عند وقوع النازلة ، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم لامكان أن يظهر له ثانيا خلاف ما ظهر له أولا ، اللهم إلا أن يكون ذاكرا لأركان اجتهاده ، مائلا إليه ، فلا يحتاج إلى استئناف نظر في أمارة أخرى . التاسعة - إنما يكون يكون الاجر للحاكم المخطئ إذا كان عالما بالاجتهاد والسنن والقياس ، وقضاء من مضي لان اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الاثم فقط ، فأما من لم يكن محلا للاجتهاد فهو متكلف لا يعذر بالخطإ في الحكم ، بل يخاف عليه أعظم الوزر . يدل على ذلك حديثه الآخر ، رواه أبو داود : ( القضاة ثلاثة ) الحديث . قال ابن المنذر : إنما يؤجر على اجتهاده في طلب الصواب لا على الخطأ ، ومما يؤيد هذا قوله تعالى : " ففهمناها سليمان " الآية . قال الحسن : أثنى على سليمان ولم يذم داود . العاشرة - ذكر أبو التمام المالكي أن مذهب مالك أن الحق في واحد من أقاويل المجتهدين وليس ذلك في أقاويل المختلفين ، وبه قال أكثر الفقهاء . قال : وحكى ابن القاسم أنه سأل مالكا عن اختلاف الصحابة ، فقال : مخطئ ومصيب ، وليس الحق في جميع أقاويلهم . وهذا القول قيل : هو المشهور عن مالك وإليه ذهب محمد بن الحسين . واحتج من قال هذا بحديث عبد الله بن عمرو ، قالوا : وهو نص على أن في المجتهدين وفي الحاكمين مخطئا ومصيبا ، قالوا : والقول بأن كل مجتهد مصيب يؤدي إلى كون الشئ حلالا حراما ، وواجبا ندبا . واحتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عمر . قال : نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم انصرف من الأحزاب ( ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ) فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة ، وقال الآخرون : لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت ، قال : فما عنف واحدا من الفريقين ، قالوا : فلو كان أحد الفريقين مخطئا لعينه النبي صلى الله عليه وسلم . ويمكن أن يقال : لعله إنما سكت عن تعيين المخطئين لأنه غير آثم بل مأجور ،