القرطبي
307
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
القوم الذين كذبوا بآياتنا ) قال أبو عبيدة : " من " بمعنى على . وقيل : المعنى فانتقمنا له " من القوم الذين كذبوا بآياتنا " . " فأغرقناهم أجمعين " أي الصغير منهم والكبير . قوله تعالى : وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ( 78 ) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين ( 79 ) فيه ست وعشرون مسألة : الأولى - قوله تعالى : ( وداوود وسليمان إذ يحكمان ) أي واذكرهما إذ يحكمان ، ولم يرد بقوله " إذ يحكمان " الاجتماع في الحكم وإن جمعهما في القول ، فإن حكمين على حكم واحد لا يجوز . وإنما حكم كل واحد منهما على انفراده ، وكان سليمان الفاهم لها بتفهيم الله تعالى إياه : " في الحرث " اختلف فيه على قولين : فقيل : كان زرعا ، قاله قتادة . وقيل : كرما نبتت عناقيده ، قال ابن مسعود وشريح ( 1 ) . و " الحرث " يقال فيهما ، وهو في الزرع أبعد من الاستعارة . الثانية - قوله تعالى : ( إذ نفشت فيه غنم القوم ) أي رعت فيه ليلا ، والنفش الرعي بالليل . يقال : نفشت بالليل ، وهملت بالنهار ، إذا رعت بلا راع . وأنفشها صاحبها . وإبل نفاش . وفي حديث عبد الله بن عمرو : الحبة في الجنة مثل كرش البعير يبيت نافشا ، أي راعيا ، حكاه الهروي . وقال ابن سيده : لا يقال الهمل في الغنم وإنما هو في الإبل : الثالثة - قوله تعالى : ( وكنا لحكمهم شاهدين ) دليل على أن أقل الجمع اثنان وقيل : المراد الحاكمان والمحكوم عليه ، فلذلك قال " لحكمهم " . الرابعة - قوله تعالى : ( ففهمناها سليمان ) أي فهمناه القضية والحكومة ، فكنى عنها إذ سبق ما يدل عليها . وفضل حكم سليمان حكم أبيه في أنه أحرز أن يبقي [ ملك ] ( 2 ) كل واحد منهما على متاعه وتبقى نفسه طيبة بذلك ، وذلك أن داود عليه السلام رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث . وقالت فرقة : بل دفع الغنم إلى صاحب الحرث ، والحرث إلى صاحب الغنم .
--> ( 1 ) في ك : سعيد . ( 2 ) من ب وج وز وط وى .