القرطبي

305

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( وأرادوا به كيدا ) أي أراد نمروذ وأصحابه أن يمكروا به ( فجعلناهم الأخسرين ) [ أي ] ( 1 ) في أعمالهم ، ورددنا مكرهم عليهم بتسليطنا أضعف خلقنا . قال ( 2 ) ابن عباس : سلط الله عليهم أضعف خلقه البعوض ، فما برح نمروذ حتى رأى عظام أصحابه وخيله تلوح ، أكلت لحومهم وشربت دماءهم ، ووقعت واحدة في منخره فلم تزل تأكل إلى أن وصلت دماغه ، وكان أكرم الناس عليه الذي يضرب رأسه بمرزبة من حديد . فأقام بهذا نحوا من أربعمائة سنة . قوله تعالى : ( ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ) يريد نجينا إبراهيم ولوطا إلى [ الأرض ] ( 1 ) أرض الشام وكانا بالعراق . وكان [ إبراهيم ] ( 3 ) عليه السلام [ عمه لوط ] ( 4 ) ، قاله ابن عباس . وقيل : لها مباركة لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها ، ولأنها معادن الأنبياء . والبركة ثبوت الخير ، ومنه برك البعير إذا لزم مكانه فلم يبرح . وقال ابن عباس : الأرض المباركة مكة . وقيل : بيت المقدس ، لان منها بعث الله أكثر الأنبياء ، وهي أيضا كثيرة الخصب والنمو ، عذبة الماء ، ومنها يتفرق في الأرض . قال أبو العالية : ليس ماء عذب إلا يهبط من السماء إلى الصخرة التي ببيت المقدس ، ثم يتفرق في الأرض . ونحوه عن كعب الأحبار . وقيل : الأرض المباركة مصر . قوله تعالى : ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة ) أي زيادة ، لأنه دعا في إسحاق وزيد يعقوب من غير دعاء فكان ذلك نافلة ، أي زيادة على ما سأل ، إذ قال : " رب هب لي من الصالحين " ( 5 ) [ الصافات : 100 ] . ويقال لولد الولد نافلة ، لأنه زيادة على الولد . ( وكلا جعلنا صالحين ) أي وكلا من إبراهيم وإسحق ويعقوب جعلناه صالحا عاملا بطاعة الله . وجعلهم صالحين إنما يتحقق بخلق الصلاح والطاعة لهم ، وبخلق القدرة على الطاعة ، ثم ما يكتسبه العبد فهو مخلوق لله تعالى . قوله تعالى : ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ) أي رؤساء يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات . ومعنى " بأمرنا " أي بما أنزلنا عليهم من الوحي والأمر والنهي ، فكأنه قال يهدون بكتابنا وقيل : المعنى يهدون الناس إلى ديننا بأمرنا إياهم بإرشاد الخلق ، ودعائهم إلى التوحيد . ( وأوحينا إليهم فعل الخيرات ) أي أن يفعلوا الطاعات . ( وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) أي مطيعين .

--> ( 1 ) من ب وج وز وط وك وى . ( 2 ) سبق أن نبهنا على أن ابن عباس يكذب عليه بعض الرواة . ( 3 ) من ك . ( 4 ) كذا في ك . وفي غيرها من النسخ : لوط . وهو خطأ . ( 5 ) راجع ج 15 ص 97 فما بعد .