القرطبي

2

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

إن الأرض كرية والأفلاك تجري تحتها ، والناس ملصقون عليها وتحتها ، وقوله : " ولا خلق أنفسهم " رد على الطبائعيين حيث زعموا أن الطبائع هي الفاعلة في النفوس . وقرأ أبو جعفر : " ما أشهدناهم " بالنون والألف على التعظيم . الباقون بالتاء بدليل قوله : ( وما كنت متخذ ) يعني ما استعنتهم على خلق السماوات والأرض ولا شاورتهم . ( وما كنت متخذ المضلين ) يعني الشياطين . وقيل : الكفار . ( عضدا ) أي أعوانا يقال : اعتضدت بفلان إذا استعنت به وتقويت . والأصل فيه عضد اليد ، ثم يوضع موضع العون ، لان اليد قوامها العضد . يقال : عضده وعاضده على كذا إذا أعانه وأعزه . ومنه قوله تعالى : " سنشد عضدك بأخيك " ( 1 ) [ القصص : 35 ] أي سنعينك بأخيك . ولفظ العضد على جهة المثل ، والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى عون أحد . وخص المضلين بالذكر لزيادة الذم والتوبيخ . وقرأ أبو جعفر الجحدري : " وما كنت " بفتح التاء أي وما كنت يا محمد متخذ المضلين عضدا . وفي عضد ثمانية أوجه : " عضدا " بفتح العين وضم الضاد وهي قراءة الجمهور ، وهي أفصحها . و " عضدا " بفتح العين وإسكان الضاد ، وهي لغة بني تميم . و " عضدا " بضم العين والضاد ، وهي قراءة أبي عمرو والحسن . و " عضدا " بضم العين وإسكان الضاد ، وهي قراءة عكرمة . و " عضدا " بكسر العين وفتح الضاد ، وهي قراءة الضحاك . و " عضدا " بفتح العين والضاد وهي قراءة عيسى بن عمر . وحكى هارون القارئ " عضدا " واللغة الثامنة " عضدا " على لغة من قال : كتف وفخذ . قوله تعالى : ( ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم ) أي اذكروا يوم يقول الله : أين شركائي ؟ أي ادعوا الذين أشركتموهم بي فليمنعوكم من عذابي . وإنما يقول ذلك لعبدة الأوثان . وقرأ حمزة ويحيى وعيسى بن عمر " نقول " بنون . الباقون بالياء ، لقوله : " شركائي " ولم يقل : شركائنا . ( فدعوهم ) أي فعلوا ذلك . ( فلم يستجيبوا لهم ) أي لم يجيبوهم إلى نصرهم ولم يكفوا عنهم شيئا . ( وجعلنا بينهم موبقا ) قال أنس ابن مالك : هو واد في جهنم من قيح ودم . وقال ابن عباس : أي وجعلنا بين المؤمنين والكافرين حاجزا . وقيل : بين الأوثان وعبدتها ، نحو قوله : " فزيلنا بينهم " ( 2 ) .

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 284 . ( 2 ) راجع ج 8 ص 333 .