القرطبي

296

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وآبائكم في ضلال مبين ( 54 ) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ( 55 ) قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين ( 56 ) قوله تعالى : ( ولقد آتينا إبراهيم رشده ) قال الفراء : أي أعطيناه هداه . ( من قبل ) أي من قبل النبوة ، أي وفقناه للنظر والاستدلال ، لما جن عليه الليل فرأى النجم والشمس والقمر . وقيل : " من قبل " أي من قبل موسى وهارون . والرشد على هذا النبوة . وعلى الأول أكثر أهل التفسير ، كما قال ليحيى : " وآتيناه الحكم صبيا " ( 1 ) [ مريم : 12 ] . وقال القرظي : رشده صلاحه . ( وكنا به عالمين ) أي إنه أهل لايتاء الرشد وصالح للنبوة . قوله تعالى : ( إذ قال لأبيه ) قيل : المعنى أي أذكر حين قال لأبيه ، فيكون الكلام قد تم عند قوله : " وكنا به عالمين " . وقيل : المعنى ، " وكنا به عالمين إذ قال " فيكون الكلام متصلا ولا يوقف على قوله : " عالمين " . " لأبيه " وهو آزر " وقومه " نمرود ومن اتبعه . ( ما هذه التماثيل ) أي الأصنام . والتمثال اسم موضوع للشئ المصنوع مشبها بخلق من خلق الله تعالى . يقال : مثلت الشئ بالشئ أي شبهته به . واسم ذلك الممثل تمثال . ( التي أنتم لها عاكفون ) أي مقيمون على عبادتها . ( قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ) أي نعبدها تقليدا لأسلافنا . ( قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين ) أي في خسران بعبادتها ، إذ هي جمادات لا تنفع ولا تضر ولا تعلم . ( قالوا أجئتنا بالحق ) أي أجاء أنت بحق فيما تقول ؟ ( أم أنت من اللاعبين ) أي لاعب مازح . ( قال بل ربكم رب السماوات والأرض ) أي لست بلاعب ، بل ربكم والقائم بتدبيركم خالق السماوات والأرض . ( الذي فطرهن ) أي خلقهن وأبدعهن . ( وأنا على ذلكم من الشاهدين ) أي على أنه رب السماوات والأرض . والشاهد يبين الحكم ، ومنه " شهد الله " ( 2 ) [ آل عمران : 18 ] بين الله ، فالمعنى : وأنا أبين بالدليل ما أقول . قوله تعالى : وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ( 57 ) فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون ( 58 )

--> ( 1 ) راجع ص 74 من هذا الجزء فما بعد . ( 2 ) راجع ج 4 ص 40 فما بعد .