القرطبي
289
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
آدم عليه السلام نظر في ثمار الجنة ، فلما دخل جوفه اشتهى الطعام ، فوثب من قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة . فذلك قوله : " خلق الانسان من عجل " . وقيل : خلق آدم يوم الجمعة في آخر النهار ، فلما أحيا الله رأسه استعجل ، وطلب تتميم نفخ الروح فيه قبل غروب الشمس ، قاله الكلبي ومجاهد وغيرهما . وقال أبو عبيدة وكثير من أهل المعاني : العجل الطين بلغة حمير . وأنشدوا : * والنخل ينبت بين الماء والعجل ( 1 ) * وقيل : المراد بالانسان الناس كلهم . وقيل المراد : النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار في تفسير ابن عباس ، أي لا ينبغي لمن خلق من الطين الحقير أن يستهزئ بآيات الله ورسله . وقيل : إنه من المقلوب ، أي خلق العجل من الانسان . وهو مذهب أبي عبيدة . النحاس : وهذا القول لا ينبغي أن يجاب به في كتاب الله ، لان القلب إنما يقع في الشعر اضطرارا كما ( 2 ) قال : * كان الزناء فريضة الرجم * ونظيره ( 3 ) هذه الآية : " وكان الانسان عجولا " [ الاسراء : 11 ] وقد مضى في " سبحان " ( 3 ) [ الاسراء : 1 ] . ( سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ) هذا يقوي القول الأول ، وأن طبع الانسان العجلة ، وأنه خلق خلقا لا يتمالك ، كما قال عليه السلام حسب ما تقدم في " سبحان " . والمراد بالآيات ما دل على صدق محمد عليه السلام من المعجزات ، وما جعله له من العاقبة المحمودة . وقيل : ما طلبوه من العذاب ، فأرادوا الاستعجال وقالوا : " متى هذا الوعد " [ يونس : 48 ] ؟ وما علموا أن لكل شئ أجلا مضروبا . نزلت في النضر بن الحرث . وقوله : " إن كان هذا ( 4 ) هو الحق " [ الأنفال : 32 ] . وقال الأخفش سعيد : معنى " خلق الانسان من عجل " أي قيل له كن فكان ، فمعنى " فلا تستعجلون " على هذا القول أنه من يقول للشئ كن فيكون ، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات . ( ويقولون متى هذا الوعد ) أي الموعود ، كما يقال : الله رجاؤنا أي مرجونا . وقيل : معنى " الوعد " هنا الوعيد ، أي الذي يعدنا من العذاب . وقيل : القيامة . ( إن كنتم صادقين ) يا معشر المؤمنين .
--> ( 1 ) صدر البيت : * والنبع في الصخرة الصماء منبته * ( 2 ) البيت : للجعدي وصدره : * كانت فريضة ما تقول كما * ( 3 ) في ب وج وط وك وى : نظير هذه الآية . راجع ج 10 ص 226 . ( 4 ) راجع ج 7 ص 398 .