القرطبي

279

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) أي لو كان في السماوات والأرضين آلهة غير الله معبودون لفسدتا . قال الكسائي وسيبويه : " إلا " بمعنى غير فلما جعلت إلا في موضع غير أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير ، كما قال : وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان وحكى سيبويه : لو كان معنا رجل إلا زيد لهلكنا . وقال الفراء : " إلا " هنا في موضع سوى ، والمعنى : لو كان فيهما آلهة سوى الله لفسد أهلها . وقال غيره : أي لو كان فيهما إلهان لفسد التدبير ، لان أحدهما إن أراد شيئا والآخر ضده كان أحدهما عاجزا : وقيل : معنى " لفسدتا " أي خربتا وهلك من فيهما بوقوع التنازع بالاختلاف الواقع بين الشركاء . ( فسبحان الله رب العرش عما يصفون ) نزه نفسه وأمر العباد أن ينزهوه عن أن يكون له شريك أو ولد . قوله تعالى : ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) قاصمة للقدرية وغيرهم . قال ابن جريج المعنى . لا يسأله الخلق عن قضائه في خلقه وهو يسأل الخلق عن عملهم ، لأنهم عبيد . بين بهذا أن من يسأل غدا عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح للآلهية . وقيل : لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون . وروي عن علي رضي عنه أن رجلا قال له يا أمير المؤمنين : أيحب ربنا أن يعصى ؟ قال : أفيعصي ربنا قهرا ؟ قال : أرأيت إن منعني . الهدى ومنحني الردى أأحسن إلي أم أساء ؟ قال : إن منعك حقك فقد أساء ، وإن منعك فضله فهو يؤتيه من يشاء . ثم تلا الآية : " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " . وعن ابن عباس قال : لما بعث الله عز وجل موسى وكلمه ، وأنزل عليه التوراة ، قال : اللهم إنك رب عظيم ، لو شئت أن تطاع لأطعت ، ولو شئت ألا تعصى ما عصيت ، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا يا رب ؟ فأوحى الله إليه : إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون . قوله تعالى : ( أم اتخذوا من دونه آلهة ) أعاد التعجب في اتخاذ الآلهة من دون الله مبالغة في التوبيخ ، أي صفتهم كما تقدم في الانشاء والاحياء ، فتكون " أم " بمعنى هل على ما تقدم ، فليأتوا بالبرهان على ذلك . وقيل : الأول احتجاج من حيث المعقول ، لأنه قال : " هم ينشرون " ويحيون الموتى ، هيهات ! والثاني احتجاج بالمنقول ، أي هاتوا برهانكم من