القرطبي
275
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
تحريك الرجل ، ومنه قوله تعالى : " اركض برجلك " ( 1 ) [ ص : 42 ] وركضت الفرس برجلي استحثته ليعدو ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا وليس بالأصل ، والصواب ركض الفرس على ما لم يسم فاعله فهو مركوض . ( لا تركضوا ) أي لا تفروا . وقيل : إن الملائكة نادتهم لما انهزموا استهزاء بهم وقالت : " لا تركضوا " . ( وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ) أي إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم ، والمترف المتنعم ، يقال : أترف على فلان أي وسع عليه في معاشه . وإنما أترفهم الله عز وجل كما قال : " وأترفناهم في الحياة الدنيا " ( 2 ) [ المؤمنون : 33 ] . ( لعلكم تسألون ) أي لعلكم تسألون شيئا من دنياكم ، استهزاء بهم ، قاله قتادة . وقيل : المعنى " لعلكم تسئلون " عما نزل بكم من العقوبة فتخبرون به . وقيل : المعنى " لعلكم تسئلون " أي تؤمنوا كما كنتم تسألون ذلك قبل نزول البأس بكم ، قيل لهم ذلك استهزاء وتقريعا وتوبيخا . ( قالوا يا ويلنا ) لما قالت لهم الملائكة : " لا تركضوا " ونادت يا لثارات الأنبياء ! ولم يروا شخصا يكلمهم عرفوا أن الله عز وجل هو الذي سلط عليهم عدوهم بقتلهم النبي الذي بعث فيهم ، فعند ذلك قالوا " يا ويلنا إن كنا ظالمين " فاعترفوا بأنهم ظلموا حين لا ينفع الاعتراف . ( فما زالت تلك دعواهم ) أي لم يزالوا يقولون : " يا ويلنا إنا كنا ظالمين " . ( حتى جعلناهم حصيدا ) أي بالسيوف كما يحصد الزرع بالمنجل ، قاله مجاهد . وقال الحسن : أي بالعذاب . ( خامدين ) أي ميتين . والخمود الهمود كخمود النار إذا طفئت فشبه خمود الحياة بخمود النار كما يقال لمن مات قد طفئ تشبيها بانطفاء النار . قوله تعالى : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ( 16 ) لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ( 17 ) بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ( 18 )
--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 211 . ( 2 ) راجع ج 12 ص 121 فما بعد .