القرطبي
271
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
( فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ) أي كما أرسل موسى بالعصا وغيرها من الآيات ومثل ناقة صالح . وكانوا عالمين بأن القرآن ليس بسحر ولا رؤيا ولكن قالوا : ينبغي أن يأتي بآية نقترحها ، ولم يكن لهم الاقتراح بعدما رأوا آية واحدة . وأيضا إذا لم يؤمنوا بآية هي من جنس ما هم أعلم الناس به ، ولا مجال للشبهة فيها فكيف يؤمنون بآية غيرها ، ولو أبرأ الأكمه والأبرص لقالوا : هذا من باب الطب ، وليس ذلك من صناعتنا ، وإنما كان سؤالهم تعنتا إذ كان الله أعطاهم من الآيات ما فيه كفاية . وبين الله عز وجل أنهم لو كانوا يؤمنون لأعطاهم ما سألوه لقوله عز وجل : " ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون " ( 1 ) [ الأنفال : 23 ] . قوله تعالى : ( ما آمنت قبلهم من قرية ) قال ابن عباس : يريد قوم صالح وقوم فرعون . ( أهلكناها ) يريد كان في علمنا هلاكها : ( أفهم يؤمنون ) يريد يصدقون ، أي فما آمنوا بالآيات فاستؤصلوا فلو رأى هؤلاء ما اقترحوا لما آمنوا ، لما سبق من القضاء بأنهم لا يؤمنون أيضا ، وإنما تأخر عقابهم لعلمنا بأن في أصلابهم من يؤمن : و " من " زائدة في قوله : " من قرية " كقوله : " فما منكم من أحد عنه حاجزين " ( 2 ) [ الحاقة : 47 ] : قوله تعالى : وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( 7 ) وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ( 8 ) ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن تشاء وأهلكنا المسرفين ( 9 ) لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون ( 10 ) قوله تعالى : ( وما أرسلنا قبلك إلا رجالا يوحى ( 3 ) إليهم ) هذا رد عليهم في قولهم : " هل هذا إلا بشر مثلكم " [ الأنبياء : 3 ] وتأنيس لنبيه صلى الله عليه وسلم ، أي لم يرسل قبلك إلا رجالا .
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 388 . ( 2 ) راجع ج 18 ص 276 . ( 3 ) ( يوحى ) بالياء قراءة نافع .