القرطبي

260

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى ( 128 ) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ( 129 ) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ( 130 ) قوله تعالى : ( أفلم يهد لهم ) يريد أهل مكة ، أي أفلم يتبين لهم خبر من أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إذا سافروا وخرجوا في التجارة طلب المعيشة ، فيرون بلاد الأمم الماضية ، والقرون الخالية خاوية ، أي أفلا يخافون أن يحل بهم مثل ما حل بالكفار قبلهم . وقرأ ابن عباس والسلمي وغيرهما : " نهد لهم " بالنون وهي أبين . و " يهد " بالياء مشكل لأجل الفاعل ، فقال الكوفيون : " كم " الفاعل ، النحاس : وهذا خطأ لان " كم " استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج : المعنى أو لم يهد لهم الامر بإهلاكنا من أهلكنا . وحقيقة " يهد " على الهدى ، فالفاعل هو الهدى تقديره : أفلم يهد الهدى لهم . قال الزجاج : " كم " في موضع نصب ب‍ " - أهلكنا " . قوله تعالى : ( ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما ) فيه تقديم وتأخير ، أي ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما ، قاله قتادة . واللزام الملازمة ، أي لكان العذاب لازما لهم . وأضمر اسم كان . قال الزجاج : ( وأجل مسمى ) عطف على " كلمة " . قتادة : والمراد القيامة ، وقاله القتبي وقيل : تأخيرهم إلى يوم بدر . قوله تعالى : ( فاصبر على ما يقولون ) أمره تعالى بالصبر على أقوالهم : إنه ساحر ، إنه كاهن ، إنه كذاب ، إلى غير ذلك . والمعنى : لا تحفل بهم ، فإن لعذابهم وقتا مضروبا لا يتقدم ولا يتأخر . ثم قيل : هذا منسوخ بآية القتال . وقيل : ليس منسوخا ، إذ لم يستأصل الكفار بعد آية القتال بل بقي المعظم منهم .