القرطبي
251
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ( 115 ) قوله تعالى : ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ) قرأ الأعمش باختلاف عنه " فنسي " بإسكان الياء وله معنيان : أحدهما - ترك ، أي ترك الامر والعهد ، وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين ومنه " نسوا الله فنسيهم " ( 1 ) [ التوبة 67 ] . و [ وثانيهما ] ( 2 ) قال ابن عباس : " نسي " هنا من السهو والنسيان ، وإنما أخذ الانسان من أنه عهد إليه فنسي . قال ابن زيد : نسي ما عهد الله إليه في ذلك ، ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس . وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم عليه السلام في ذلك الوقت مأخوذا بالنسيان ، وأن كان النسيان عنا اليوم مرفوعا . ومعنى " من قبل " أي من قبل أن يأكل من الشجرة ، لأنه نهى عنها . والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ، أي طاعة بني آدم الشيطان أمر قديم ، أي إن نقض هؤلاء العهد فإن آدم أيضا عهدنا إليه فنسي : حكاه القشيري وكذلك الطبري . أي وإن يعرض يا محمد هؤلاء الكفرة عن آياتي ، ويخالفوا رسلي ، ويطيعوا إبليس فقدما فعل ذلك أبوهم آدم . قال ابن عطية : وهذا التأويل ضعيف ، وذلك كون آدم مثالا للكفار الجاحدين بالله ليس بشئ وآدم إنما عصى بتأويل ، ففي هذا غضاضة عليه صلى الله عليه وسلم ، وإنما الظاهر في الآية إما أن يكون ابتداء قصص لا تعلق له بما قبله ، وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم ألا يعجل بالقرآن ، مثل له بنبي قبله عهد إليه فنسي فعوقب ، ليكون أشد في التحذير ، وأبلغ في العهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، والعهد ها هنا في معنى الوصية ، " ونسي " معناه ترك ، ونسيان الذهول لا يمكن هنا ، لأنه لا يتعلق بالناسي عقاب . والعزم المضي على المعتقد في أي شئ كان ، وآدم عليه السلام قد كان يعتقد ألا يأكل من الشجرة لكن لما وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده . والشئ الذي عهد إلى آدم هو ألا يأكل من الشجرة ، وأعلم مع ذلك أن إبليس عدو له . واختلف في معنى قوله : ( ولم نجد له عزما ) فقال ابن عباس وقتادة : لم نجد له صبرا عن أكل الشجرة ، ومواظبة على التزام الامر . قال
--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 43 . ( 2 ) زيادة يقتضيها السياق .