القرطبي

241

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قال الحسن : جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه عقوبة له ولمن كان منه إلى يوم القيامة ، وكأن الله عز وجل شدد عليه المحنة ، بأن جعله لا يماس أحدا ولا يمكن من أن يمسه أحد ، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا . ويقال : ابتلى بالوسواس وأصل الوسواس من ذلك الوقت . وقال قتادة : بقاياهم إلى اليوم يقولون ذلك - لا مساس - وإن مس واحد من غيرهم أحدا منهم حم كلاهما في الوقت . ويقال : إن موسى هم بقتل السامري ، فقال الله تعالى له : لا تقتله فإنه سخي . ويقال لما قال له موسى : " فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس " خاف فهرب فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش ، لا يجد أحدا من الناس يمسه حتى صار كالقائل : لا مساس ، لبعده عن الناس وبعد الناس عنه ، كما قال الشاعر : حمال رايات بها قناعسا * حتى تقول الأزد لا مسابسا ( 1 ) مسألة : هذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وألا يخالطوا ، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بكعب بن مالك والثلاثة ( 2 ) الذين خلفوا . ومن التجأ إلى الحرم وعليه قتل لا يقتل عند بعض الفقهاء ، ولكن لا يعامل ولا يبايع ولا يشارى ، وهو إرهاق إلى الخروج . ومن هذا القبيل التغريب في حد الزنى ، وقد تقدم جميع هذا كله في موضعه ، فلا معنى لإعادته . والحمد لله وحده . وقال هارون القارئ : ولغة العرب لا مساس بكسر السين وفتح الميم ، وقد تكلم النحويون فيه ، فقال سيبويه : هو مبني على الكسر كما يقال اضرب الرجل . وقال أبو إسحاق : لا مساس نفي وكسرت السين لان الكسرة من علامة التأنيث ، تقول : فعلت يا امرأة ( 3 ) . قال النحاس وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : إذا أعتل الشئ من ثلاث جهات وجب أن يبني ، وإذا أعتل من جهتين وجب ألا ينصرف ، لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء ، فمساس ودراك اعتل من ثلاث جهات : منها أنه معدول ، ومنها أنه مؤنث ، وأنه معرفة ، فلما وجب البناء فيه وكانت الألف قبل السين ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين ، كما تقول : اضرب الرجل . ورأيت أبا إسحاق

--> ( 1 ) كذا في الأصول ولم نقف عليه . ( 2 ) في ك : وصاحبيه . ( 3 ) كذا في النحاس . والذي في الأصول : فعلت المرأة .