القرطبي

230

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ) لما أنجاهم من فرعون قال لهم هذا ليشكروه . ( وواعدناكم جانب الطور الأيمن ) " جانب " نصب على المفعول الثاني ل‍ " واعدنا " ولا يحسن أن ينتصب على الظرف ، لأنه ظرف مكان محض غير مبهم . وإنما تتعدى الافعال والمصادر إلى ظروف المكان بغير حرف جر إذا كانت مبهمة . قال مكي : هذا أصل لا خلاف فيه ، وتقدير الآية . وواعدناكم إتيان جانب الطور ، ثم حذف المضاف . قال النحاس : أي أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه ليكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام . وقيل : وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتي جانب الطور الأيمن فيؤتيه التوراة ، فالوعد كان لموسى ولكن خوطبوا به لان الوعد كان لأجلهم . وقرأ أبو عمرو " ووعدناكم " بغير ألف واختاره أبو عبيد ، لان الوعد إنما هو من الله تعالى لموسى خاصة ، والمواعدة لا تكون إلا من اثنين . وقد مضى في ( البقرة ) ( 1 ) هذا المعنى . و " الأيمن " نصب ، لأنه نعت للجانب وليس للجبل يمين ولا شمال ، فإذا قيل : خذ عن يمين الجبل فمعناه خذ على يمينك من الجبل . وكان الجبل على يمين موسى إذ أتاه . ( ونزلنا عليكم المن والسلوى ) أي في التيه . وقد تقدم القول فيه ( 2 ) . ( كلوا من طيبات ما رزقناكم ) أي من لذيذ الرزق . وقيل : من حلاله إذ لا صنع فيه لآدمي فتدخله شبهة . ( ولا تطغوا ) أي لا تحملنكم السعة والعافية أن تعصوا ، لان الطغيان التجاوز إلى ما لا يجوز . وقيل : المعنى ، أي لا تكفروا النعمة ولا تنسوا [ شكر النعم ولا شكر ] ( 2 ) المنعم بها عليكم . وقيل : أي ولا تستبدلوا بها شيئا آخر كما قال : " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير " ( 2 ) [ البقرة : 61 ] وقيل : لا تدخروا منه لأكثر من يوم وليلة ، قال ابن عباس : فيتدود عليهم ما ادخروه ، ولولا ذلك ما تدود طعام أبدا . ( فيحل عليكم غضبي ) أي يجب وينزل ، وهو منصوب بالفاء في جواب النهي من قوله : " ولا تطغوا " . ( فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ) قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب والكسائي : " فيحل " بضم الحاء ( ومن يحلل ) بضم اللام الأولى . والباقون بالكسر وهما لغتان . وحكى

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 394 وص 406 . ( 2 ) من ب وط وى .