القرطبي

224

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

على الاتباع من غير تقدير حذف . والثاني - أن يكون في الكلام حذف أي كيد ذي سحر . وقرأ الباقون : " كيد " بالنصب ( 1 ) بوقوع الصنع عليه و " ما " كافة ولا تضمر هاء " ساحر " بالإضافة . والكيد في الحقيقة على هذه القراءة مضاف للساحر لا للسحر . ويجوز فتح " أن " على معنى لان ما صنعوا كيد ساحر . ( ولا يفلح الساحر حيث أتى ) أي لا يفوز ولا ينجو حيث أتى من الأرض . وقيل : حيث احتال . وقد مضى في ( البقرة ) ( 2 ) حكم الساحر ومعنى السحر فتأمله هناك . قوله تعالى : ( فألقى السحرة سجدا ) لما رأوا من عظيم الامر وخرق العادة في العصا ، فإنها ابتلعت جميع ما احتالوا به من الحبال والعصي ، وكانت حمل ثلاثمائة بعير ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي إلا الله تعالى . وقد مضى في ( الأعراف ) ( 3 ) هذا المعنى وأمر العصا مستوفى . ( قالوا آمنا برب هارون وموسى . قال آمنتم له ) أي به ، يقال : آمن له وآمن به ، ومنه " فآمن له لوط " ( 4 ) [ العنكبوت : 26 ] وفي الأعراف ( قال آمنتم به قبل أن آذن لكم ) . إنكار منه عليهم ، أي تعديتم وفعلتم ما لم آمركم به . ( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) . أي رئيسكم في التعليم ، وإنما غلبكم لأنه أحذق به منكم . وإنما أراد فرعون بقول هذا ليشبه على الناس حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا كإيمانهم ، وإلا فقد علم فرعون أنهم لم يتعلموا من موسى ، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى وولادته . ( فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ) أي على جذوع النخل . قال سويد بن أبي كاهل : هم صلبوا العبدي في جذع نخلة * فلا عطست شيبان إلا بأجدعا فقطع وصلب حتى ماتوا رحمهم الله تعالى . وقرأ ابن محيصن هنا وفي الأعراف " فلأقطعن " " ولأصلبنكم " بفتح الألف والتخفيف من قطع وصلب . ( ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ) يعني أنا أم رب موسى .

--> ( 1 ) العبارة هنا على إطلاقها تفيد أن هذه قراءة الجمهور . والجمهور قرأ : ( كيد ساحر ) برفع ( كيد ) كما في ( البحر ) وغيره قال في البحر : وقرأ الجمهور : ( كيد ) بالرفع . ( 2 ) راجع ج 2 ص 43 فما بعد . ( 3 ) راجع ج 7 ص 259 . ( 4 ) راجع ج 13 ص 339 .