القرطبي
208
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وذكر الماوردي أن عبد الله ( 1 ) بن سليمان فيما حكى ، رأى على بعض ثيابه أثر صفرة ، فأخذ من مداد الدواة وطلاه به ، ثم قال : المداد بنا أحسن من الزعفران ، وأنشد : إنما الزعفران عطر العذارى * ومداد الدوي عطر الرجال الرابعة - قوله تعالى : ( لا يضل ربي ولا ينسى ) اختلف في معناه على أقوال خمسة ، الأول : إنه ابتداء كلام ، تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين . وقد كان الكلام تم في قوله : " في كتاب " . وكذا قال الزجاج ، وأن معنى " لا يضل " لا يهلك من قوله : " أئذا ضللنا في الأرض " ( 2 ) [ السجدة : 10 ] . " ولا ينسى " شيئا ، نزهه عن الهلاك والنسيان . القول الثاني : " لا يضل " لا يخطئ ، قاله ابن عباس ، أي لا يخطئ في التدبير ، فمن أنظره فلحكمة أنظره ، ومن عاجله فلحكمة عاجله . القول الثالث : " لا يضل " لا يغيب . قال ابن الأعرابي : أصل الضلال الغيبوبة ، يقال : ضل الناسي إذا غاب عنه حفظ الشئ . قال : ومعنى . " لا يضل ربي ولا ينسى " أي لا يغيب عنه شئ ولا يغيب عن شئ . القول الرابع : قاله الزجاج أيضا : وقال النحاس وهو أشبهها بالمعنى - : أخبر الله عز وجل أنه لا يحتاج إلى كتاب ، والمعنى لا يضل عنه علم شئ من الأشياء ولا معرفتها ، ولا ينسى ما علمه منها . قلت : وهذا القول راجع إلى معنى قول ابن الأعرابي . وقول خامس : إن " لا يضل ربي ولا ينسى " في موضع الصفة ل " - كتاب " أي الكتاب غير ضال عن الله عز وجل ، أي غير ذاهب عنه . " ولا ينسى " أي غير ناس له فهما نعتان ل " - كتاب " . وعلى هذا يكون الكلام متصلا ، ولا يوقف على " كتاب " . تقول العرب . ضلني الشئ إذا لم أجده ، وأضللته أنا إذا تركته في موضع فلم تجده فيه . وقرأ الحسن وقتادة وعيسى بن عمر وابن محيصن وعاصم الجحدري وابن كثير فيما روى شبل عنه " لا يضل " بضم الياء على معنى لا يضيعه ربي ولا ينساه . قال ابن عرفة : الضلالة عند العرب سلوك سبيل غير القصد ، يقال : ضل عن الطريق ، وأضل الشئ إذا أضاعه . ومنه قرأ من قرأ " لا يضل ربي " أي لا يضيع ، هذا مذهب العرب .
--> ( 1 ) في ( أدب الدنيا والدين ) : عبيد الله بن سليمان . ( 2 ) راجع ج 14 ص 91 .