القرطبي
206
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
منك ؟ قال : وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب ، فقال : " علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى " . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي ) . وأسند الخطيب أبو بكر عن أبي هريرة قال : كان رجل من الأنصار يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستمع منه الحديث ويعجبه ولا يحفظه ، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! إني أسمع منك الحديث يعجبني ولا أحفظه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( استعن بيمينك ) وأومأ إلى الخط . وهذا نص . وعلى جواز كتب العلم وتدوينه جمهور الصحابة والتابعين ، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بكتب الخطبة التي خطب بها في الحج لأبي شاه - رجل من اليمن - لما سأله كتبها . أخرجه مسلم . وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( قيدوا العلم بالكتابة ) . وقال معاوية بن قرة : من لم يكتب العلم لم يعد علمه علما . وقد ذهب قوم إلى المنع من الكتب ، فروى أبو نصرة ( 1 ) قال قيل لأبي سعيد : أنكتب حديثكم هذا ؟ قال : لم تجعلونه قرآنا ؟ ولكن احفظوا كما حفظنا . وممن كان لا يكتب الشعبي ويونس بن عبيد وخالد الحذاء - قال خالد : ما كتبت شيئا قط إلا حديثا واحدا ، فلما حفظته محوته - وابن عون والزهري . وقد كان بعضهم يكتب فإذا حفظ محاه ، منهم محمد بن سيرين وعاصم بن ضمرة . وقال هشام بن حسان : ما كتبت حديثا قط إلا حديث الأعماق ( 2 ) فلما حفظته محوته . قلت : وقد ذكرنا عن خالد الحذاء مثل هذا . وحديث الأعماق خرجه مسلم في آخر الكتاب : ( لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق - أو - بدابق ) الحديث ذكره في كتاب الفتن . وكان بعضهم يحفظ ثم يكتب ما يحفظ منهم الأعمش وعبد الله بن إدريس وهشيم وغيرهم . وهذا احتياط على الحفظ . والكتب أولى على الجملة ، وبه وردت الآي والأحاديث ، وهو مروى عن عمر وعلي وجابر وأنس رضي الله عنهم ، ومن يليهم من كبراء التابعين كالحسن
--> ( 1 ) كذا في ب وط وى وهو الصواب . وأبو نضرة المنذر بن مالك بن قطعة . ( 2 ) الأعماق : موضع من أطراف المدينة ودابق : اسم موضع سوق بها . والشك من الراوي .