القرطبي
204
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الفراء : السلام على من اتبع الهدى ولمن اتبع الهدى سواء . ( إنا قد أوحى إلينا أن العذاب ) يعني الهلاك والدمار في الدنيا والخلود في جهنم في الآخرة . ( على من كذب ) أنبياء الله ( وتولى ) أعرض عن الايمان . وقال ابن عباس : هذه أرجى آية للموحدين لأنهم لم يكذبوا ولم يتولوا . قوله تعالى : ( قال فمن ربكما يا موسى ) ذكر فرعون موسى دون هارون لرؤوس الآي . وقيل : خصصه بالذكر لأنه صاحب الرسالة والكلام والآية . وقيل إنهما جميعا بلغا الرسالة وإن كان ساكتا ، لأنه في وقت الكلام إنما يتكلم واحد ، فإذا انقطع وازره الآخر وأيده . فصار لنا في هذا البناء فائدة علم ، أن الاثنين إذا قلدا أمرا فقام به أحدهما ، والآخر شخصه هناك موجود مستغنى عنه في وقت دون وقت أنهما أديا الامر الذي قلدا وقاما به واستوجبا الثواب ، لان الله تعالى قال : " أذهبا إلى فرعون " وقال : " اذهب أنت وأخوك " وقال : " فقولا له " فأمرهما جميعا بالذهاب وبالقول ، ثم أعلمنا في وقت الخطاب بقوله : " فمن ربكما " أنه كان حاضرا مع موسى . ( قال ) موسى : ( ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ) أي أنه يعرف بصفاته ، وليس له أسم علم حتى يقال فلان بل هو خالق العالم ، وهو الذي خص كل مخلوق بهيئة وصورة ، ولو كان الخطاب معهما لقالا : قالا ربنا . " وخلقه " أول مفعولي أعطى ، أي أعطى خليقته كل شئ يحتاجون إليه ويرتفقون به ، أو ثانيهما أي أعطى كل شئ صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به ، على قول الضحاك على ما يأتي . ( ثم هدى ) قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي : أعطى كل شئ زوجه من جنسه ، ثم هداه إلى منكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ، وعن ابن عباس : ثم هداه إلى الألفة والاجتماع والمناكحة . وقال الحسن وقتادة : أعطى كل شئ صلاحه ، وهداه لما يصلحه . وقال مجاهد : أعطى كل شئ صورة ، لم يجعل خلق الانسان في خلق البهائم ، ولا خلق البهائم في خلق الانسان ، ولكن خلق كل شئ فقدره تقديرا . وقال الشاعر : وله في كل شئ خلقة * وكذاك الله ما شاء فعل