القرطبي

142

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

المحق في دينه وكأنهم لم يروا في الكفار فقيرا ولا في المسلمين غنيا ولم يعلموا أن الله تعالى نحى أولياءه عن الاغترار بالدنيا وفرط الميل إليها . و " بينات " معناه مرتلات الألفاظ ملخصة المعاني ، مبينات المقاصد ، إما محاكمات ، أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات ، أو تبيين الرسول صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا . أو ظاهرات الاعجاز تحدى بها فلم يقدر على معارضتها . أو حججا وبراهين . والوجه أن تكون حالا مؤكدة كقوله تعالى : " وهو الحق مصدقا " ( 1 ) لان آيات الله تعالى لا تكون إلا واضحة وحججا . ( قال الذين كفروا ) يريد مشركي قريش النضر بن الحرث وأصحابه . ( للذين آمنوا ) يعني فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت فيهم قشافة ، وفي عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة وكان المشركون يرجلون شعورهم ويدهنون رؤوسهم ويلبسون خير ثيابهم ، فقالوا للمؤمنين ( أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ) . قرأ ابن كثير وأبن محيصن وحميد وشبل بن عباد " مقاما " بضم الميم وهو موضع الإقامة . ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الإقامة . الباقون " مقاما " بالفتح ، أي منزلا ومسكنا . وقيل : المقام الموضع الذي يقام فيه بالأمور الجليلة ، أي أي الفريقين أكثر جاها وأنصارا . " وأحسن نديا " أي مجلسا ، عن ابن عباس . وعنه أيضا المنظر وهو المجلس في اللغة وهو النادي . ومنه دار الندوة لان المشركين كانوا يتشاورون فيها في أمورهم . وناداه جالسه في النادي . قال : * أنادي به آل الوليد وجعفرا * والندي على فعيل مجلس القوم ومتحدثهم ، وكذلك الندوة والنادي [ والمنتدى ] ( 2 ) والمتندى ، فإن تفرق القوم فليس بندي قاله الجوهري . قوله تعالى : ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن ) أي من أمة وجماعة . ( هم أحسن أثاثا ) أي متاعا كثيرا ، قال : ( 3 ) وفرع يزين المتن أسود فاحم * أثيث كقنو النخلة المتعثكل

--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 29 . ( 2 ) الزيادة من ( الصحاح ) للجوهري . ( 3 ) هو امرؤ القيس . والفرع : الشعر التام . والمتن ماعن يمين الصلب وشماله من العصب واللحم . والفاحم الشديد السواد . وأثيث : كثير أصل النبات . والقنو : العذق وهو الشمراخ . والمتعثكل الذي قد دخل بعضه في بعض لكثرته . وقيل : المتدلي .